تراجم

عبد القاهر الجرجاني: حياته ومؤلفاته ونظرية النظم

قراءة تحليلية في مشروعه النحوي والبلاغي، وصلته بمعاني النحو والإعجاز القرآني وتطور النقد الأدبي العربي.

عبد القاهر الجرجاني، المتوفى سنة 471هـ على التاريخ الأشهر وقيل 474هـ، لا يُفهم من ترجمةٍ تكتفي بمولده ووفاته. قيمته في سؤالٍ طرحه على الكلام نفسه: ما الذي يجعل قولًا أبلغ من قول، والألفاظ معروفة والمعاني مما يخطر للناس؟ جوابه أن المزية لا تستقر في اللفظة المفردة، ولا في المعنى العاري من الصياغة، بل في النظم: تعليق الكلم بعضها ببعض وفق معاني النحو، على قدر الغرض الذي يُساق له الكلام. من هذا الجواب يُقرأ نحوُه وبلاغته معًا، ويُقرأ كتاباه «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» بوصفهما وجهين لمشروع واحد، لا ترجمتين مكررتين لفكرة واحدة.

اقرأ أيضاً: النقد الأدبي: المفهوم، والوظيفة، وتحولات المناهج عبر التاريخ

من هو عبد القاهر الجرجاني؟

اسمه ونسبته

هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني. يصفه القفطي في «إنباه الرواة» بأنه فارسي الأصل، جرجاني الدار، عالم بالنحو والبلاغة. والكنية «أبو بكر» لا تعني، وحدها، أن له ابنًا بهذا الاسم؛ فهي كنية علمية جرت عليها عادة التراجم. أما النسبة فإلى جرجان، المدينة المشهورة بين طبرستان وخراسان، في جنوب شرقي بحر قزوين، وهي غير جرجان التي قد تلتبس بها أسماء مواضع أخرى. كانت في القرنين الرابع والخامس الهجريين حاضرة علم، يُقصد فيها الحديث والفقه وعلوم العربية، وإن لم تكن في شهرة بغداد أو البصرة أو الكوفة.

متى وُلد؟

لا تضبط كتب التراجم القديمة سنة مولده بخبر صريح. وما يتردد في موسوعات متأخرة من أنه وُلد سنة 400هـ تقريبًا تقديرٌ لا نصّ تراجمي. وترجح دار الإفتاء المصرية أن مولده في أواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس. وهذا التقدير يتفق مع ما نعرفه من شيوخه: أخذ النحو عن أبي الحسين الفارسي المتوفى سنة 421هـ، فلا بد أن يكون طلبه العلم قد وقع قبل هذا التاريخ بمدة تسمح بالأخذ المباشر. ويبقى الفرق واضحًا بين تاريخٍ تذكره المصادر، وتقديرٍ يُستأنس به ولا يُقطع به.

متى توفي؟

التاريخ الأشهر لوفاته سنة 471هـ، وبه يقول القفطي، وعليه أكثر من يترجم له. وتذكر مصادر أخرى سنة 474هـ. وتورد دار الإفتاء المصرية التاريخين معًا، وتقابل الأولى بسنة 1078م والثانية بسنة 1082م على وجه التقريب؛ إذ يختلف مطلع السنة الميلادية بحسب شهر الوفاة، وهو غير منصوص. والثابت أنه توفي في جرجان، وأنه لم يزل مقيمًا بها يفيد الراحلين إليه إلى وفاته، كما يقول القفطي. فليس الخلاف في مكان الوفاة، بل في سنتها، ولا يسوغ إسقاط إحدى الروايتين لمجرّد شيوع الأخرى.

لماذا يُعَدّ من كبار علماء العربية؟

يُعَدّ الجرجاني كبيرًا لثلاثة أمور لا تنفصل. الأول أنه نحويّ خرج من مدرسة أبي علي الفارسي، وشرح «الإيضاح» شرحًا واسعًا ثم مخصَّصًا، وصنّف في العوامل والجمل والصرف. والثاني أنه نقل السؤال النحوي من صحة التركيب إلى تفاضل التراكيب الصحيحة: لمَ كان هذا الوجه أبلغ من ذاك وكلاهما عربي؟ والثالث أنه جعل هذا التفاضل مدخلًا إلى إعجاز القرآن وتحليل الشعر والنثر، لا زينة تُضاف بعد تمام المعنى. لو بقي له «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» وحدهما لكفياه ذكرًا، غير أن اختزاله في البلاغة يُضيع النصف النحوي الذي به قامت نظريته.

اقرأ أيضاً:

نشأته وبيئته العلمية

جرجان في القرن الخامس

عاش الجرجاني في عصر السلاجقة، وكان نظام الملك معاصرًا له، وله فيه مدح يثبته القفطي. والقرن الخامس قرن موسوعات ومنظومات وخلاف كلامي حول إعجاز القرآن، لا قرن بدايةٍ للبحث البلاغي. جرجان يومئذٍ مدينة طرفٍ بالنسبة إلى بغداد، لكنها لم تكن فراغًا علميًا. دراسة العربية فيها مربوطة بالقرآن والفقه، والنحو فيها امتداد لعلم المشارقة الذين شرحوا كتب الفارسي وابن جني ومن قبلهما سيبويه. هذه البيئة تفسّر أمرين: بقاء الجرجاني في مدينته، واتساع مكتبته الذهنية بما قرأه من تصانيف من لم يلْقَهم.

هل رحل في طلب العلم؟

تنص التراجم على أنه لم يخرج من جرجان في طلب العلم، وأنه لم يلقَ من شيوخ العربية المشهورين غير أبي الحسين الفارسي، وأنه كان يكثر الحكاية عنه لهذا السبب. وعبارة القفطي أنه «لم يزل مقيمًا بجرجان يفيد الراحلين إليه والوافدين عليه». فالرحلة هنا معكوسة: الطلاب يأتونه، ولا تُحفظ له رحلة إلى بغداد أو نيسابور أو الريّ يمكن القطع بها. وما زاد على ذلك من مجالس مفترضة لا سند له في المصادر.

شيوخه

شيخه الثابت هو أبو الحسين محمد بن الحسين، أو الحسن في بعض الروايات، ابن محمد بن عبد الوارث الفارسي، نزيل جرجان، ابن أخت أبي علي الفارسي، المتوفى سنة 421هـ. درس عليه الجرجاني «الإيضاح»، وأكثر الأخذ عنه، وقرأ مع ذلك تصانيف النحاة والأدباء. من هذا السند يأتي انشغاله الطويل بشرح «الإيضاح» و«التكملة». وأبو علي الفارسي (ت 377هـ) حاضر في تكوينه بواسطة ابن أخته والكتاب، لا باللقاء؛ فالفارسي مات قبل أن يبلغ الجرجاني سن الطلب على أي تقدير معقول لمولده.

ويُذكر في شيوخه القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني (ت 392هـ)، صاحب «الوساطة بين المتنبي وخصومه». نقل ياقوت أن عبد القاهر قرأ عليه وكان يفتخر بالانتماء إليه. غير أن وفاة القاضي سنة 392هـ تصطدم بالتقدير الشائع لمولد عبد القاهر في مطلع القرن الخامس. ولهذا يشكك بعض المؤرخين في التلمذة المباشرة، كما تنبه دار الإفتاء المصرية. والاحتمالات المفتوحة ثلاثة، ولا يُقطع بواحد منها: أن يكون مولده أقدم مما قُدّر، أو أن تكون «القراءة عليه» قراءةً في كتبه نُسبت إليه على جهة الانتماء العلمي، أو أن يكون الخبر مضطربًا. الحكمة هنا ألا تُعرض هذه التلمذة بوصفها حقيقة محسومة، وألا تُلغى الرواية إلغاءً تامًا. أما أثر القاضي في ذوق الجرجاني فظاهر من جهة أخرى: الرجل يقرأ «الوساطة» ونقود الشعر، ولو لم يثبت السماع.

تلاميذه

تذكر التراجم فيمن أخذ عنه، مع تفاوت درجة التوثيق:

  • أبا زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي (ت 502هـ)، وهو مذكور في هذا السند، مع شهرته بالأخذ عن أبي العلاء المعري أيضًا.
  • علي بن زيد الفصيحي، كما في «إنباه الرواة»، ويُسمّى في مصادر أخرى علي بن محمد بن علي الفصيحي (ت 516هـ). تخرّج به جماعة، وتصدّر ببغداد، ونقل إلى العراق ما استفاده من عبد القاهر.
  • أبا نصر أحمد بن إبراهيم بن محمد الشجري. وهنا وثيقة نادرة: ينقل القفطي عن خط عبد القاهر نفسه، في رمضان سنة 454هـ، أنه قرأ عليه الشجري «المقتصد» من أوله إلى آخره «قراءة ضبط وتحصيل». هذه الإجازة تُثبت أنه كان حيًّا يُقرئ سنة 454هـ، وأن «المقتصد» كان تامًّا في هذا التاريخ.
  • أحمد بن عبد الله المهاباذي الضرير، وتؤرخ دار الإفتاء وفاته سنة 500هـ.
  • أبا عامر الفضل بن إسماعيل التميمي الجرجاني (ت 467هـ)، وهو الذي لقيه الباخرزي ونقل إليه من حديث عبد القاهر.

وليست كل هذه الأسماء في درجة إجازة الشجري. بعضها مستفيض في الطبقات، وبعضها مذكور في جمع متأخر. والعبرة أن حلقة جرجان كانت تُصدّر النحو إلى بغداد، لا أن الجرجاني كان منعزلًا عن شبكة العلم.

مكانته وشهادات معاصريه

قال الباخرزي، وهو معاصر له، في «دمية القصر» ما معناه أن الألسنة اتفقت على إمامته، وأنه فرد في علمه. وينقل عن أبي عامر ما ألقاه «بحر الفضل على لسانه». والصورة التي تخرج من هذه الشهادة صورة عالمٍ يُقصَد ويُذاكَر، لا صورة كاتبٍ عُرف بعد موته فقط.

وتذكر طبقات الشافعية، من طريق السلفي، أنه كان ورعًا قانعًا، شافعي الفقه، أشعري المقالة، وأن لصًّا دخل عليه وهو في الصلاة فأخذ ما وجد، وعبد القاهر ينظر ولم يقطع صلاته. الخبر يرسم خلقًا، ولا ينبغي أن يُحمَّل أكثر من ذلك.

وله شعر يثبته القفطي، بعضه في مدح نظام الملك، وبعضه في ضيقه بالزمان. فمن مدحه:

لو جاود الغيث غدا
بالجود منه أجدرا

ومن شكواه:

أيّ وقتٍ هذا الذي نحن فيه
قد دجا بالقياس والتشبيه

ويربط القفطي بين هذا الضيق وبين إيجازه في بعض التصانيف: «لم يجد راحة ممن جمع لهم وألّف». ويصفه مع ذلك بأنه «ضيّق العطن» في الشرح النحوي، لا يستوفي الكلام مع قدرته على الاستيفاء، ثم يستدرك بأن غوصه على جواهر هذا العلم يدل على تبحره. هذه الملحوظة مفتاح لقراءة كتبه: الإيجاز في «المقتصد» و«الجمل» ليس عجزًا عن البسط، والبسط في «دلائل الإعجاز» ليس خروجًا عن النحو، بل انتقالًا من تعليم القاعدة إلى تفسير المزية.

اقرأ أيضاً:

مؤلفاته: ماذا كتب، وماذا بقي؟

لا تُفيد قائمة العناوين حتى يُعرف موضوع كل كتاب، وحاله من الطبع أو الفقد. والمعوّل في الحصر الآتي على ما تجمعه دار الإفتاء المصرية من «فوات الوفيات» و«إنباه الرواة» و«طبقات الشافعية» و«بغية الوعاة» و«دمية القصر» و«النجوم الزاهرة»، مع ما يؤكده القفطي والذهبي من أصول هذه القائمة.

دلائل الإعجاز

كتابه المركزي في النظم وصلته بإعجاز القرآن. ليس تفسيرًا مرتَّبًا على السور، ولا كتابًا في «علم المعاني» بالمصطلح الذي سيستقر بعد السكاكي، بل استدلالًا متصلًا على أن فصاحة الكلام وبلاغته في توخي معاني النحو بين الكلم بحسب الأغراض. طُبع بعناية محمد عبده في مطبعة المنار سنة 1321هـ، وكان لهذا النشر فضل إعادة الكتاب إلى درس الأزهر. ومن أضبط طبعاته نسخة محمود محمد شاكر في مكتبة الخانجي، وبذيلها «الرسالة الشافية».

يعالج فيه: حدّ النظم، والتعليق، والخبر ووجوهه، والشرط والجزاء، والفصل والوصل، والحذف، والتقديم والتأخير، والقصر، والتعريف والتنكير، وفصاحة اللفظ في موقعه، والكناية والاستعارة والتمثيل من جهة «معنى المعنى»، ثم يبني على ذلك أن إعجاز القرآن في هذا الضرب من النظم لا في غرابة الألفاظ.

أسرار البلاغة

كتابه في الصورة البيانية: التجنيس، والتشبيه، والتمثيل، والاستعارة، والحقيقة والمجاز، والأخذ والسرقة. طُبع بعناية محمد عبده سنة 1320هـ، ومن أصح طبعاته كذلك نسخة محمود محمد شاكر. السؤال فيه ليس: كيف تتعلق الكلم إعرابيًا؟ بل: كيف تتفاضل الصور، ولمَ كان تشبيهٌ أوقع من تشبيه، واستعارةٌ أمكن من استعارة، ومجازٌ أدلّ من الحقيقة في موضع دون موضع؟

يرجّح بعض الدارسين أن «أسرار البلاغة» أسبق تأليفًا، وأن «دلائل الإعجاز» يمثل نضج النظرية، لأن الكناية و«معنى المعنى» يتبلوران في «الدلائل» على نحو لا نجده بالوضوح نفسه في «الأسرار». وليس في كلام الجرجاني نص قاطع بهذا الترتيب، فالأَولى أن يُعامل الترجيح ترجيحًا.

كتبه في النحو

العوامل المائة. مختصر تعليمي في العوامل اللفظية والمعنوية، شائع الحفظ، كثير الشروح والمنظومات. قيمته في التدريس لا في التنظير. وهو الباب الذي دخل منه كثير من الطلاب إلى اسم الجرجاني قبل أن يبلغوا «الدلائل».

الجمل. يقول القفطي: له شرح كتاب العوامل سمّاه «الجمل»، ثم شرح «الجمل». ويُسمّى أيضًا «الجرجانية». طُبع قديمًا في ليدن سنة 1617م، ثم في كلكتا سنة 1803م، ثم في بولاق سنة 1247هـ، ثم بتحقيق علي حيدر في دمشق سنة 1392هـ. فهو من أوائل كتب النحو العربي التي عرفتها المطابع الأوروبية، وهذا أمر تاريخي مستقل عن قيمته العلمية.

شرح الجمل. شرحه هو على متنه، وقد حُقّق في رسالة جامعية، فهو من المؤلفات التي خرجت من حيز المخطوط إلى التحقيق، وإن لم يجرِ مجرى «الدلائل» في الشهرة.

المغني في شرح الإيضاح. شرح كبير لـ«إيضاح» أبي علي الفارسي، تذكر المصادر أنه في نحو ثلاثين مجلدًا. وهو مفقود. ذكره الذهبي والقفطي ودار الإفتاء، ولا يُعرف نصه. الخلط بين الإشارة إلى الكتاب ووجود الكتاب هو أكثر أخطاء التراجم المختصرة.

المقتصد في شرح الإيضاح. تلخيص «المغني» في مجلدات أقل. أتمه قبل رمضان 454هـ، كما تدل إجازة الشجري. طبع القسم النحوي منه في بغداد بتحقيق كاظم بحر المرجان. يقول القفطي إنه «مقتصد من مثله»، لم يأتِ في «الإيضاح» بشيء له مقدار، وإنه حين بلغ «التكملة» لم يقصّر. فالشاهد من «المقتصد» منهج الجرجاني النحوي: إيجاز، وتعليل، ووفاء لاصطلاح الفارسي، لا أنه البديل عن «الدلائل».

الإيجاز. مختصر آخر لـ«الإيضاح»، مذكور في كشف الظنون ومن نقل عنه. يُفرَّق بينه وبين «المقتصد» في الاسم، ولا تُدَّعى له طبعة من غير وقوف على النسخة.

الصرف واللغة

المفتاح في الصرف. مطبوع بتحقيق علي توفيق الحمد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1407هـ. كتاب تعليمي في أبنية التصريف.

وتذكر المصادر «العمد في التصريف» أو «العمدة في التصريف». قد يكون كتابًا مستقلًّا، وقد تتداخل تسميته مع «المفتاح» في بعض الفهارس. والأمانة ألا يُجزَم بالتطابق ولا بالنفي حتى تُقابل النسخ.

التكملة أو التتمة. منه نسخة في المتحف البريطاني، بحسب ما تثبته دار الإفتاء. والاسم يذكر بـ«تكملة» الفارسي، فلا يُخلط بين متن الشيخ وكتاب تلميذ المدرسة.

إعجاز القرآن

الرسالة الشافية. رسالة في وجوه الإعجاز، مطبوعة ضمن «ثلاث رسائل في إعجاز القرآن» بتحقيق محمد خلف الله أحمد ومحمد زغلول سلام، دار المعارف، ومطبوعة في ذيل «دلائل الإعجاز» تحقيق شاكر. تميل قراءتها إلى أن الشافية تُثبت الإعجاز من جهة عجز العرب عن المعارضة مع قيام الدواعي وارتفاع الموانع، في حين يفسر «الدلائل» الجهة اللغوية لهذا العجز، وهي النظم. فالرسالتان تتكاملان: واحدة في وقوع العجز، والأخرى في صفته.

إعجاز القرآن، أو المعتضد. تذكر دار الإفتاء أنه شرح كبير لكتاب الواسطي (ت 306هـ) في الإعجاز، وأنه مفقود. يُذكَر في الترجمة ولا يُستشهَد بنصه.

شرح الفاتحة. مفقود. ويقول الذهبي إنه فسّر الفاتحة في مجلد.

أعمال أخرى

قصيدة في العروض. طبعت ببغداد بتحقيق محمد حسن آل ياسين سنة 1379هـ / 1960م، ذيلًا لـ«الإقناع في العروض» للصاحب بن عباد.

المختار من دواوين المتنبي والبحتري وأبي تمام. وجده عبد العزيز الميمني، ونشره في «الطرائف الأدبية»، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1937م. وهو اختيار من شعر ثلاثة، لا شرحًا تامًّا على طريقة الشروح الكبيرة، ويدل على أن ذوقه الشعري كان يدور على هذه الطبقة العباسية التي يكثر الاستشهاد بها في كتابيه البلاغيين.

ونُسب إليه في بعض الفهارس الحديثة «درج الدرر في تفسير الآي والسور». والنسبة ليست في شهرة «الدلائل» و«الأسرار» عند أصحاب الطبقات المتقدمين، فالأَولى تعليق الحكم فيها على تحقيق النسخ، لا إدخالها في صلب المؤلفات الثابتة.

المطبوع والمخطوط والمفقود

الكتابموضوعهحاله
دلائل الإعجازالنظم والإعجاز ومعاني النحومطبوع، وأضبطه تحقيق شاكر
أسرار البلاغةالتشبيه والتمثيل والاستعارة والمجازمطبوع، وأضبطه تحقيق شاكر
الرسالة الشافيةإعجاز القرآن من جهة العجز عن المعارضةمطبوعة
العوامل المائةعوامل النحو، تعليميمطبوع، كثير الشروح
الجملمتعلق بالعواملمطبوع
شرح الجملشرح المتن السابقمحقق في عمل جامعي
المفتاح في الصرفالتصريفمطبوع
المقتصد في شرح الإيضاحنحو، تلخيص المغنيمطبوع قسمه النحوي
التكملة أو التتمةنحومخطوط، ومنه نسخة بالمتحف البريطاني
المغني في شرح الإيضاحنحو، نحو ثلاثين مجلدًامفقود
إعجاز القرآن أو المعتضدشرح كتاب الواسطيمفقود
شرح الفاتحةتفسيرمفقود
الإيجازمختصر الإيضاحمذكور في الفهارس
قصيدة العروضعروضمطبوعة
المختار من الدواوين الثلاثةاختيار شعريمطبوع ضمن الطرائف الأدبية

اقرأ أيضاً:

لماذا ألّف «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»؟

الإعجاز قبل الجرجاني

الإعجاز القرآني، قبل أن يبلغ الجرجاني، كان مسألة تجمع بين الكلام واللغة. والجاحظ (ت 255هـ) ألّف «نظم القرآن»، والكتاب مفقود، وبقيت من فكرته إشارات، منها أن في الكتاب المنزل «نظمًا بديعًا لا يقدر على مثله العباد». وللجاحظ في «الحيوان» عبارة أخرى ستظل حاضرة في النقاش: المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ وجودة السبك، وأن الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير. هذه العبارة ترفع شأن الصنعة، وقد تُفهم على أن المزية في اللفظ. والجرجاني لا يردّها بردّ شعاري، بل يسأل: أيّ لفظ؟ اللفظة وحدها، أم اللفظ وقد تعلّق بغيره؟

والرماني (ت 384هـ) في «النكت في إعجاز القرآن» جعل البلاغة وجهًا من وجوه الإعجاز، وعدد التشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل وغيرها. والباقلاني (ت 403هـ) في «إعجاز القرآن» دافع عن النظم، وأخذ على كتاب الجاحظ أنه لم يزد كثيرًا على كلام المتكلمين ولم يكشف اللبس. غير أن نظم الباقلاني أقرب إلى وصف تأليف القرآن في جملته، وتمييزه من الشعر والسجع، منه إلى نظرية تفسر تفاضل أي كلام بليغ.

وفي الجانب الكلامي قولٌ عُرف بـ**الصَّرفة**: أن العرب صُرفوا عن المعارضة، ولو خُلّوا لقدروا. ويُنسب أصل الفكرة إلى النظّام المعتزلي، وجرت في نقاشات لاحقة. وإذا صَحّت الصرفة على إطلاقها خرجت المزية من الكلام إلى مانع خارجي. والجرجاني، الأشعري الشافعي، يرفض أن يكون الإعجاز أمرًا لا يُذوق في النظم نفسه.

وهناك قول يضع الفصاحة في ضمّ الكلمات ضمًّا مخصوصًا من غير تحليل لمعاني النحو. ويرى محمود محمد شاكر في حواشي «الدلائل» أن جانبًا من مناقشة الجرجاني متوجه إلى ما كتبه القاضي عبد الجبار (ت 415هـ) في «المغني». وسواء أكانت المناقشة مسمّاة أم غير مسمّاة، فالمشكلة التي وجدها الجرجاني واحدة: الناس يقولون «نظم» و«فصاحة» و«بلاغة»، ثم لا يملكون أن يُروا الفرق إذا تغيّرت صياغةٌ وبقيت ألفاظها.

السؤال الذي أراد جوابه

السؤال ليس: ما تعريف البلاغة في جملة؟ بل سلسلة أسئلة عملية. هل تكفي جزالة المفردة؟ هل يكفي صدق المعنى أو شرفه؟ هل تتساوى الجمل الصحيحة إذا أدت «الفكرة نفسها»؟ ما الذي يتغير حين يُقدَّم خبر، أو يُحذف مبتدأ، أو يُعرَّف ما كان نكرة، أو تُفصل جملة كان حقها الوصل؟ جوابه أن القيمة تتولد من العلاقات، وأن المتكلم يختار من وجوه الباب النحوي ما يوافق غرضه، وأن السامع ذا الذوق يدرك الفرق ولو لم يُسمِّه.

من المفردة إلى العلاقة

المفردة، عنده، لا تُمدح مدحًا مطلقًا. قد تكون فصيحة في موضع ونافرة في آخر، لأن الحكم عليها حكم على ملاءمتها لجاراتها. والمعنى الخام، كالشجاعة أو الكرم أو الحزن، مشترك بين شاعر مُجيد وآخر مقصر. الذي يختلف هو طريق الإثبات وطريق التصوير وطريق ترتيب المعاني في النفس، ثم ترتيب الألفاظ تبعًا لذلك. من هنا تنتقل البلاغة من «صفة كلمة» إلى «صفة تأليف».

اقرأ أيضاً:

ما نظرية النظم؟

هذا هو قلب المشروع. وما بعده من حديث في الكتابين تطبيق عليه أو تفريع منه.

النظم في اللغة وفي اصطلاحه

النظم في اللغة الجمع والضم على نسق، كنظم الخرز. ومن هنا خطر الاختزال: أن يُظن المراد صفّ الكلمات. والجرجاني يستعمل الكلمة ثم يضيّقها. في مدخل بحث التعليق يقول: «معلوم أن ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض». ثم يقول في الموضع الذي يحدّ فيه النظرية حدًّا مشهورًا:

اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نُهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رُسمت لك، فلا تخلّ بشيء منها.

و«علم النحو» هنا ليس ضبط أواخر الكلم فقط. الدليل أنه يطلب من الناظم أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه. ويمثل لذلك بوجوه الخبر: «زيدٌ منطلقٌ»، و«زيدٌ ينطلقُ»، و«ينطلقُ زيدٌ»، و«منطلقٌ زيدٌ»، و«زيدٌ المنطلقُ»، و«المنطلقُ زيدٌ»، و«زيدٌ هو المنطلقُ»، و«زيدٌ هو منطلقٌ». ويمثل بوجوه الشرط والجزاء: «إن تخرجْ أخرجْ»، و«إن خرجتَ خرجتُ»، و«إن تخرجْ فأنا خارجٌ»، و«أنا خارجٌ إن خرجتَ»، و«أنا إن خرجتَ خارجٌ». كل هذه جمل صحيحة. النظم هو أن تعرف لأيّ غرض تختار وجهًا دون وجه.

ويعود فيكرر أن النظم توخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يُصاغ لها الكلام. فثلاثة ألفاظ لا بد أن تبقى متلازمة في أي شرح أمين: تعليق، ومعاني النحو، والغرض.

ليس ترتيبًا للكلمات فقط

لو كان النظم مجاورة ألفاظ، لاستوى الكلام إذا استوت كلماته واختلف إعرابها أو اتجاه إسنادها. والجرجاني يبطل ذلك بصورتين.

الأولى صورة النسج. من يظن أن ضم الكلم كضم خيوط الإبريسم، وأن المزية في الخيوط لا في نقشها، يجهل أن الضم لا يكون ضمًّا حتى تُتوخى فيه معاني النحو. إن جمعت ألفاظًا من غير هذا التوخي لم تصنع شيئًا يُدّعى.

والثانية أن ترتيب الألفاظ في النطق تبعٌ لترتيب معانيها في النفس. يقول ما حاصله أن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس، وأنها لو تجردت أصواتًا لما كان لترتيب «هذه قبل تلك» موجب. فالمتكلم لا يصفّ أصواتًا ثم يبحث لها عن معنى، بل يبني معنى مرکَّبًا ويطلب له التركيب الذي يلائمه.

معاني النحو

معاني النحو هي الدلالات التي تنشأ من وظائف التركيب: الإسناد، والفاعلية، والمفعولية، والحالية، والوصفية، والإضافة، والشرط، والتقديم، والحذف، والتعريف، والتنكير، والقصر. النحو المدرسي يعلّم أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب. ومعاني النحو تسأل: ماذا يصنع الإسناد إلى الفاعل من المعنى؟ وماذا يصنع نقل الإسناد إلى سببه، ونصب المقصود تمييزًا؟ وماذا يصنع تعريف الخبر أو تقديمه؟

فارق دقيق: النحو، في كتب الجرجاني التعليمية، نظام العلاقات الذي به يصح الكلام. ومعاني النحو، في «الدلائل»، الوظائف الدلالية لهذه العلاقات حين تتعدد وجوهها الصحيحة. الأول يمنع اللحن. والثاني يفسر لمَ كان وجهٌ أبلغ من وجهٍ لا لحن فيه.

بهذا يصبح النحو شرط البلاغة لا خصمًا لها. الكلام الملحون خارج المفاضلة أصلًا. والكلام الصحيح داخله، ثم تتفاضل صوره. البلاغة ليست ترخيصًا في كسر القاعدة، ولا القاعدة ضمانًا للبلاغة.

التعليق

التعليق هو جعل الكلمة بسبب من الأخرى على طريق من طرق العربية. والكلم ثلاث: اسم وفعل وحرف. وطرق التعليق ثلاث في جملتها:

المجاورة في الخط ليست تعليقًا. «زيد» بجانب «قام» لا تصنع جملة حتى يُسنَد القيام إلى زيد إسنادًا تقصده. ومن هنا كان التعليق روح النظم، والنظم اسمًا لهذا التعليق إذا وُجّه إلى غرض.

اللفظ والمعنى

ينفي الجرجاني أن تكون المزية في اللفظ من حيث هو صوت، أو في المعنى من حيث هو فكرة سابقة على كل صياغة. اللفظ تبع للمعنى في النظم، ولكن المعنى الذي يُعتدّ به هو المعنى المركَّب الذي صنعه التعليق، لا المعنى المعجمي للمفردة. إذا قلتَ «خرج زيد» فالغرض ليس مفهوم الخروج وحده، بل إثبات الخروج لزيد على وجه اخترته من وجوه الإثبات.

وهو يردّ الشبهة التي تحصر الفصاحة في تلاؤم الحروف وخفّتها على اللسان. يستحضر من الجاحظ أمثلة الثقل، كقول القائل: «وقبر حرب بمكان قفر / وليس قرب قبر حرب قبر»، ثم يبين أن قصر الفصاحة على هذا يُخرجها من البلاغة، ويُخرج من الإعجاز وضوح الدلالة وحسن الترتيب والتصوير والفصل والوصل والحذف والتقديم. تلاؤم الحروف قد يكون وجهًا من وجوه الفضل، وليس الأصل الذي به كان القرآن معجزًا.

فموقفه ليس انتصارًا للمعنى على اللفظ ولا العكس. هو إبطال للفصل. اللفظ لا يُحكم عليه خارج وظيفته، والمعنى لا يُحكم عليه خارج الصورة التي ثبت بها.

كيف تتولد البلاغة من اختلاف التراكيب؟

من وجوه الباب الواحد. تقديمٌ يغيّر موضع العناية. حذفٌ يجعل السكوت أبلغ من الذكر إذا كان السياق كافيًا. تعريفٌ ينقل الخبر من وصفٍ جديد إلى أمرٍ كأنه معلوم يُراد إثباته على وجه أقوى. تنكيرٌ يفيد الإطلاق أو التقليل أو التعظيم بحسب الباب. قصرٌ يحصر الصفة في الموصوف أو الموصوف في الصفة. فصلٌ أو وصلٌ يحددان: أهذه الجملة من تمام سابقتها، أم شريكتها في الحكم، أم مستقلة عنها؟

وليست هذه الوجوه قوالب: «كل تقديم يفيد الاختصاص»، أو «كل تنكير يفيد التحقير». الجرجاني يرفض هذا التجميد. المزية تُعرف بالموازنة بين صياغة وصياغة في سياقها، لا بجدول معانٍ يُلصَق بكل باب.

معنى المعنى

يفرق بين ضربين من الكلام. ضرب تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، كقولك على الحقيقة: خرج زيد. وضربٌ لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، بل يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه وضعه، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض. ومدار هذا الضرب على الكناية والاستعارة والتمثيل.

ويختصر ذلك بعبارته: المعنى، ومعنى المعنى. المعنى ما تفهمه من ظاهر اللفظ بغير واسطة. ومعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر.

مصطلح: معنى المعنى ليس لغزًا ولا مبالغة في التأويل. هو اسم للدلالة غير المباشرة: اللفظ يثبت معنى أول، وهذا المعنى الأول دليل على معنى ثانٍ مقصود. الاستعارة والكناية والتمثيل هي الطرق التي يكثر فيها هذا الانتقال.

اقرأ أيضاً: ائتلاف المعنى مع المعنى: دراسة في البلاغة العربية وتطبيقاتها في الشعر

مثال تطبيقي: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾

قوله تعالى على لسان زكريا: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4].

يقول الجرجاني في «دلائل الإعجاز» إن الناس إذا ذكروا الآية لم يزيدوا على تسمية الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها. ثم يدفع ذلك: ليست الروعة لمجرد استعارة الاشتعال للشيب. الشرف لأن الكلام سُلك به طريقٌ يُسند فيه الفعل إلى الشيء وهو لِما هو من سببه، فيُرفع المسند إليه، ويأتي صاحب الفعل في المعنى منصوبًا بعده بيانًا، كما تقول: طاب زيد نفسًا، وقرّ عمرو عينًا.

«اشتعل» للشيب في المعنى، وللرأس في اللفظ. لو عدلتَ عن هذا الطريق فقلت: «اشتعل شيب الرأس» أو «اشتعل الشيب في الرأس»، ذهبت الفخامة. والسبب، كما يقرره، أن الصيغة القرآنية تفيد مع لمعان الشيب، وهو أصل الاستعارة، الشمول: شاع الشيب في الرأس وأخذه من نواحيه واستغرقه، حتى لم يبقَ من السواد شيء يُعتدّ به. وقولك «اشتعل شيب الرأس» لا يوجب أكثر من ظهور الشيب على الجملة.

هنا تجتمع أدوات النظرية في شاهد واحد:

  • الاستعارة تعطي المعنى الأول: الشيب كلمع النار.
  • الإسناد إلى الرأس، ونصب «شيبًا» تمييزًا، يعطيان معنى الشمول. وهذا توخي معنى نحوي، لا زينة لفظية.
  • تغيير العلاقة النحوية، مع بقاء مادة الكلمات قريبة، يُسقط المزية. فالنظم ليس حيازة ألفاظ شريفة.

ويمكن أن يُضاف إلى هذا الشاهد، من أمثلته هو لا من اختراع المقالة، فرق وجوه الخبر. «زيد منطلق» إخبار بالمطلق على وجه الابتداء البسيط. «زيد ينطلق» يجعل الخبر فعلًا، فيدخل عليه ما للفعل من تصور التجدد. «زيد المنطلق» و«المنطلق زيد» و«زيد هو المنطلق» تنقل التعريف وضمير الفصل جهة الفائدة: من إنشاء الخبر إلى تعيين من العَلِمَ السامع أصلَه، أو إلى تأكيده حتى يقرب من الاختصاص. والجرجاني لا يلصق بكل جملة دلالة جامدة تصلح في كل مقام، بل يُلزم الناظر بسؤال واحد: أي فرق يصنعه هذا الوجه في هذا الغرض؟ القراءة المستخلصة من ضم هذه الأمثلة إلى آية مريم أن البلاغة، عنده، فرقٌ دلالي ناتج من علاقة، لا حكمٌ جاهز على كلمة «اشتعل» أو على كلمة «منطلق».

وشاهد ثالث يؤكد أن الفساد قد يقع من التقدير الإعرابي ولو لم يتبدل لفظ. في بيت أبي تمام:

لعاب الأفاعي القاتلات لعابُه
وأري الجنى اشتارته أيد عواسل

يبين الجرجاني أنك إن قدّرت «لعاب الأفاعي» مبتدأ و«لعابه» خبرًا، كما يوهم الظاهر، أفسدت الكلام. غرض أبي تمام تشبيه مداد قلمه بلعاب الأفاعي، على معنى أنه إذا كتب في السياسات أهلك، وتشبيهه بأري الجنى، على معنى أنه إذا كتب في العطايا أوصل ما تحلو مذاقته. التقدير الخطأ يبقي الألفاظ ويُبطل الصورة. وهذا أقوى دليل على أن النظم علاقة مقصودة، لا تتابع كلمات.

النحو والبلاغة عند الجرجاني

النحو ليس صناعة إعراب فقط

في «العوامل» و«الجمل» و«المقتصد» النحو أداة تصحيح وتعليل: ما العامل، وما المعمول، وكيف تتصل الأسماء بالأفعال والحروف. هذا ضروري، وهو ما كان يُقرئه سنة 454هـ. لكن «الدلائل» ينقل السؤال إلى ما بعد الصحة. جملتان معربتان إعرابًا سليمًا قد تفترقان افتراقًا بلاغيًا تامًا. من يقف عند «صح أو لحن» لا يرى موضوع البلاغة أصلًا.

النحو ومعاني النحو، والعامل والمعنى

العامل يفسر علامة الإعراب ويمنع اختلال التركيب. والمعنى النحوي يفسر أثر هذا العمل في الفائدة: لِمَ رُفع هذا على الفاعلية، ولِمَ نُصب ذاك تمييزًا، ولِمَ تقدم ما حقه التأخير. الخلط بين المستويين يصنع خطأين متقابلين: تعليمًا يحفظ العوامل ولا يذوق الكلام، وبلاغةً تتحدث عن الجمال وهي عاجزة عن تسمية العلاقة التي صنعته.

وحدة المشروع

مسائل الإسناد والتقديم والحذف التي تُدرَّس في النحو هي نفسها مادة الشواهد في «الدلائل». والفرق في السؤال لا في المادة. النحوي يسأل: ما الحكم؟ والبلاغي عند الجرجاني يسأل: ما الفرق في المعنى إذا جاز أكثر من حكم أو أكثر من ترتيب؟ لهذا لا يُفصَل «الجرجاني النحوي» عن «الجرجاني البلاغي» إلا على جهة التصنيف المكتبي. من قرأ «المقتصد» وحده رأى معلمًا موجزًا. ومن قرأ «الدلائل» وحده ظنه ناقدًا لا نحات له. ومن قرأهما رأى أن التحليل الدلالي امتداد للتعليل النحوي حين ينتقل من الصحة إلى المزية.

اقرأ أيضاً:

دلائل الإعجاز: عرض النظرية في العمل

موضوع الكتاب ومنهجه

يصدر الجرجاني عن أن علم البيان، على سعته، ضُيّع، وأن لطائفه لا تُنال إلا بالروية. ثم يفحص تعريفات البلاغة والفصاحة، فيجدها إما مجملة وإما واقفًة عند اللفظ أو عند المعنى. وينتهي إلى أن المعوّل عليه نظمٌ وترتيب وتأليف وتركيب، وصياغة وتصوير ونسج وتحبير. هذه الثمانية ليست زينة إنشائية؛ هي رفض أن تُسمّى المزية باسم واحد فقير.

منهجه في الاستدلال: شاهد قرآني أو بيت، ثم صياغة بديلة من عنده يسمّيها وجهًا تقابله، ثم الموازنة، ثم استخراج الجهة التي وقع فيها الفرق، ثم ردّ هذه الجهة إلى معنى نحوي أو إلى طريق إثبات. الأمثلة الإنشائية التي يصنعها، مثل وجوه «زيد منطلق»، أمثلة تعليمية بيّنة، وليست شواهد عن العرب. والشعر الذي يورده شاهد على فرق بلاغي، لا مادة للانتصار لشاعر على شاعر في كل موضع.

التقديم والتأخير

يصفه بأنه باب كثير الفوائد، جمّ المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال يفترّ عن بديعة. وترى شعرًا يروقك، ثم تنظر فتجد سبب الروعة أن قُدّم فيه شيء وحُوّل اللفظ عن مكانه. المعيار عنده أن التقديم الذي لا يصنع فرقًا في المعنى لا فضل له، وأن التقديم الذي يغيّر العناية أو الاختصاص أو التشويق هو من صميم النظم. دراسة أحمد بن صالح السديس في مجلة العلوم العربية بجامعة الإمام استقرت مواضع المسألة في «الأسرار» و«الدلائل»، وبيّنت أن أغراض التقديم عنده تُستخرج من السياق لا من قاعدة واحدة تُعمَّم على كل تقديم.

الحذف والذكر

الحذف عنده باب دقيق: قد يكون ترك الذكر أفصح من الذكر، إذا دلّ المقام وقام التعليق بالمحذوف في النفس. ليس كل حذف بلاغة، وليس كل ذكر ضعفًا. الحذف البليغ ما كان المثبت دالًّا عليه، وكان في التصريح ثقل أو فساد للصورة. فإن قُدّر المحذوف وظهر أن الكلام يستغني عنه استغناءً يزيده ملاحة، فذلك موضع الباب. وإن أُبهم حتى انقطع التعليق، فذلك إخلال لا بلاغة.

التعريف والتنكير

التعريف قد يجعل الخبر كالمعلوم الذي يُراد ربطه بمتعَيِّن، والتنكير قد يُبقي الصفة على إطلاق يفيد التعظيم أو التقليل أو النوعية. والجرجاني يعرض الفروق داخل الباب، ولا يوزع المعاني توزيعًا مدرسيًا مغلقًا. العبرة بالموازنة: ما الذي يحدث لو عُرّف هذا المنكَّر في هذا السياق؟

الفصل والوصل

يحصل من تحليله أن الجمل على ثلاثة أضرب. جملة حالها مع التي قبلها حال الصفة مع الموصوف والتأكيد مع المؤكَّد، فحقها ترك العطف، لأن عطفها كعطف الشيء على نفسه. وجملة تشارك السابقة في حكم، كاشتراك فاعلَين في فعل، فحقها العطف. وجملة لا اتصال لها ولا اشتراك، فحقها الترك أيضًا، لأن العطف يوهم صلة لا وجود لها. العطف للواسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع. هذا التقسيم هو أصل ما سيسميه المتأخرون كمال الاتصال وكمال الانقطاع وشبههما، قبل أن يصير قواعد محفوظة.

القصر والاختصاص

القصر طريق لإثبات الحكم على وجه الحصر: بالصفة على الموصوف أو بالموصوف على الصفة، بحسب الأدوات والتركيب. «إنما»، وتقديم ما حقه التأخير في مواضع، وطرق أخرى، ليست مترادفة. كل أداة تعلق الحكم تعلقًا مختلفًا. والجرجاني يتتبع الفرق بين الصيغ، وهو الفرق الذي سيُختصر لاحقًا في جداول «طرق القصر».

الخبر وما يلابسه من أغراض

وجوه الخبر التي افتتح بها حدّ النظم هي الدرس التطبيقي الأول: الجملة الاسمية غير الفعلية، والمعرّف غير المنكّر، ودخول ضمير الفصل غير التجرد منه. والغرض قد يكون فائدة الخبر، أو لازمها، أو التجدد، أو الثبوت، أو الاختصاص. وهو لا يفصل «علم المعاني» فصلًا اصطلاحيًا عن النحو، فالحدود اللاحقة بين الخبر والإنشاء لم تكن قد استقرت على صورة السكاكي. الموجود عنده تحليل للأساليب بحسب ما تقتضيه أغراض المتكلم.

كيف يعالج الشاهد؟

لا يقطع البيت عن وجه الاستشهاد، ولا يكتفي بقوله «هذا بليغ». يعرض الصيغة، ثم يقترح الصيغة المعدولة، ثم يسمي الجهة الضائعة. في آية مريم الجهة هي الشمول الناتج من طريق الإسناد. في بيت أبي تمام الجهة هي فساد التشبيه إذا فسد التقدير. هذه الطريقة قابلة للتعلم: كل تحليل جرجاني جواب عن سؤال «ماذا لو قلتَها على الوجه الآخر؟».

اقرأ أيضاً:

أسرار البلاغة: الصورة والمعنى

إذا كان «الدلائل» كتاب العلاقات التركيبية، فـ«الأسرار» كتاب تفاوت الصور. وغرضه، كما يصرح في مقاصده، بيان أمر المعاني: كيف تختلف وتتفق، ومن أين تجتمع وتفترق.

التشبيه

التشبيه عنده أوسع أبواب الصورة. والشيئان إذا شُبّه أحدهما بالآخر فعلى ضربين: ضرب من جهة أمر بيّن لا يحتاج إلى تأول، كتشبيه اللون باللون والهيئة بالهيئة، وضرب يحتاج إلى تأول واستخراج جهة عقلية. التفاوت لا يجيء من غرابة المشبه به وحده، بل من جهة الجمع بينهما، ومن حاجة الصورة إلى فكر، ومن مقدار ما تُحدثه في النفس بعد الظفر بها.

التمثيل

بعد أن يفرق بين الضربين يقول: «التشبيه عام والتمثيل أخص منه، فكل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلًا». التمثيل تشبيه جهةٍ منتزَعة من عدة أمور، لا صفة مفردة ظاهرة. وهو لذلك أقرب إلى ما يحتاج تأولًا، وأظهر في إنتاج دلالة لا تُؤخذ من لفظ واحد. والأمثال والصور المركبة ميدانه. من يرادف بين المصطلحين في كل سياق يفوته حدّ الجرجاني نفسه.

الاستعارة

حدها في «أسرار البلاغة»: أن يكون للفظ أصل في الوضع اللغوي معروف، تدل الشواهد على أنه اختص به حين وُضع، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في غير ذلك الأصل وينقله إليه. فهي نقل لفظ مع قرينة، لا مشابهة تُبقي الطرفين ظاهرين كما في التشبيه.

ويرى لها سعة لا تُحصر شعبها بسهولة: تُبرز البيان في صورة مستجدة، وتُكسب اللفظة في كل موضع شأنًا غير شأنها في موضع آخر. والاستعارة الحسنة ليست كل نقل. حسنها من شدة المناسبة، ومن مقدار المعنى الذي تُعطيه، ومن امتزاجها بطريق الإثبات. وقد تقدم أن استعارة الاشتعال للشيب لا تكفي وحدها لتفسير آية مريم؛ النظم النحوي شريكها. هذا موضع التقاء الكتابين: «الأسرار» يفسر النقل، و«الدلائل» يفسر التركيب الذي يجعل النقل أبلغ.

المجاز

يشتق المعنى من «جاز الشيء يجوزه» إذا تعداه. وإذا عُدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وُصف بأنه مجاز، لأنهم جازوا به موضعه، أو جاز هو مكانه الذي وُضع فيه. ثم يفرق تفريقًا يمنع الخلط: المجاز على ضربين، مجاز من طريق اللغة، ومجاز من طريق المعنى والمعقول.

المجاز اللغوي في الكلمة المفردة، كوصف اليد بأنها مجاز في النعمة، والأسد بأنه مجاز في الشجاع. و**المجاز العقلي** في الإسناد والإثبات، والكلمة باقية على معناها. مثاله المشهور: «أنبت الربيع البقل». «أنبت» لم تخرج عن معنى الإنبات، و«البقل» لم تخرج عن معناه، والمجاز في نسبة الإنبات إلى الربيع. هذا الضرب عقلي لأنه حكمٌ في الإسناد، لا نقلٌ لوضع لفظ.

فارق دقيق: الاستعارة فرع من المجاز اللغوي يقوم على مشابهة. المجاز اللغوي أوسع منها. والمجاز العقلي ليس استعارة في الكلمة، بل عدول في نسبة الفعل إلى غير ما هو له. من يجمع الثلاثة في «مجاز» واحد يضيّع حدود «أسرار البلاغة».

الكناية

الكناية أوضح اتصالًا بـ«معنى المعنى» في «الدلائل» منها بكونها بابًا مستقلًّا في «الأسرار». طريقها أن تذكر معنى وتريد لازمه. ومثال توضيحي، لا على أنه بيت بعينه من كتاب الجرجاني: «كثير الرماد» يثبت كثرة الرماد أولًا، ثم يفضي هذا المعنى إلى الكرم. اللفظ لم يُنقل نقل الاستعارة، ولم يُسند إسناد المجاز العقلي، بل لزم من معناه معنى آخر. السياق هو الذي يأذن بهذا الانتقال؛ فكثرة الرماد في مقام آخر قد تبقى على ظاهرها.

التجنيس والأخذ

يفتتح «الأسرار» بالتجنيس، ويضع له شرطًا معنويًا: التشابه اللفظي لا فضل له إذا لم يطلبه المعنى. التجنيس الذي يُجلب لذاته صنعة باردة، والذي يجيء والمقصود قائم فضيلة.

وفي الأخذ والسرقة يتحرك بمنطق الناقد لا بمنطق جامع التهم. التشابه بين صورتين قد يكون تواردًا، أو أخذًا يحسن إذا نُقل المعنى إلى غرض أقوى وصورة أتم، أو سرقة إذا لم يُضف الآخذ شيئًا وانتحل الفضل. الحكم يحتاج إلى النصوص كاملة، لا إلى اتفاق كلمتين. وهو هنا وريث نقاش «الوساطة» و«الموازنة»، ولكن بمعيار الصورة والمعنى لا بمعيار الانتصار للمتنبي أو لخصومه.

الذوق

القواعد عنده تكشف الجهة، ولا تغني عن الذوق. والذوق ليس استحسانًا مبهَمًا. هو ملكة تتكون بطول النظر في الكلام البليغ، وتُمتحن بالموازنة. إذا راقك بيت ولم تستطع أن تقول من أي باب جاءك الروق، فالذوق قد سبق التحليل، وعلى التحليل أن يلحقه. وإذا حفظت الأبواب ولم تفرق بين بيت وآخر، فالحفظ لم يصر ذوقًا. هذه القسمة هي التي جعلت كتابه نافعًا للناقد، لا للمتعلم الذي يطلب تعريفًا من سطر واحد فقط.

اقرأ أيضاً:

الفرق بين الكتابين، ووجه وحدتهما

الجهةدلائل الإعجازأسرار البلاغة
السؤال الرئيسأين تقع مزية الكلام، وما جهة إعجاز القرآن؟كيف تتفاضل الصور البيانية؟
وحدة التحليلالتركيب النحوي الدلاليالتشبيه والتمثيل والاستعارة والمجاز
المفاهيم الغالبةالنظم، التعليق، معاني النحو، الفصل والوصل، الحذف، التقديم، معنى المعنىالحقيقة والمجاز، الاستعارة، التمثيل، التجنيس، الأخذ
الشاهد النموذجيآية أو بيت تُوازَن صيغته بصيغة أخرىصورة تُوازَن بصورة في جهة الشبه وحسن التأول
ما لا يستغني عنه الآخرتفسير التركيب الذي يحمل الصورةتفسير النقل المجازي الذي يدخله التركيب

يلتقيان في رفض فصل اللفظ عن المعنى، وفي ردّ الفضل إلى الاختيار بحسب الغرض، وفي أن السياق هو الذي يعيّن الدلالة. ويفترقان في طبقة التحليل: العلاقات الإعرابية من جهة، والصورة من جهة. قراءتهما معًا هي التي تُظهر أن علم المعاني وعلم البيان، قبل أن يُسمَّيا هذين الاسمين، كانا عند الجرجاني مستويين في فهم الكلام، لا كتابين متكررين.

مفاهيم يكثر اختلاطها

يُخلط بينهماالحد عند الجرجاني
النظم / ترتيب الألفاظالنظم تعليق على معاني النحو لغرض، لا صفّ كلمات
النحو / معاني النحوالأول صحة العلاقات، والثاني دلالة وجوهها
اللفظ / المعنىالمزية في المعنى المركَّب الذي أقامه اللفظ، لا في أحد الطرفين معزولًا
المعنى / معنى المعنىالأول ظاهر اللفظ، والثاني ما يفضي إليه الظاهر
التشبيه / التمثيلكل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلًا
الاستعارة / المجاز العقليالأولى نقل لفظ، والثاني عدول إسناد
الفصاحة / خفة الحروفخفة الحروف وجه ممكن، وليست حد الفصاحة ولا سر الإعجاز

الفصاحة في استعماله صفة للكلام من حيث دلالته على المزية. قد تُوصف اللفظة بأنها فصيحة، ولكن الاعتبار عنده لمكانها من النظم وملاءمتها لجاراتها، لا لحسنٍ مطلق فيها قبل التركيب. والبلاغة أعم في العرف الشائع، غير أنه لا يقيم بينهما جدارًا تعليميًا كما سيفعل المتأخرون حين حدّوا البلاغة بمطابقة الكلام لمقتضى الحال والفصاحة بسلامة المفرد والكلام من العيوب. ذلك الحد المتأخر مفهوم، ومفيد في التعليم، ولكنه أضيق من حركة الجرجاني وأقل احتفالًا بالموازنة الحية.

منهجه في تحليل الشعر والنثر

في الشعر ينظر إلى تعليق الكلمات، وإلى ما صنعه التقديم أو الحذف أو طريق الإثبات، ثم يسأل إن كانت الصورة، تشبيهًا أو استعارة، قد زادها هذا الطريق شرفًا أو كانت وحدها دعوى لا تكفي. في النثر والخطاب القرآني ينظر إلى صلة الجمل: وصلها وفصلها، وإسنادها، وما حُذف منها لأن المقام مغنٍ. الشعر عنده شاهد لغوي وبلاغي معًا. هو من كلام من يُحتج بفصاحتهم حين يكون جاهليًا أو في طبقة الاحتجاج، وهو أيضًا صنعة تُحلَّل حتى في شعر أبي تمام والمتنبي، لا لأن كل بيت حجة نحوية، بل لأن الفرق البلاغي يظهر فيه ظهورًا شديدًا.

التحليل النقدي عنده لا ينفصل عن التحليل اللغوي. الحكم بأن بيتًا أروع من تعديلٍ مقترَح عليه حكمٌ نقدي، ودليله علاقة نحوية أو جهة شبه يمكن بيانها. ليس انطباعًا يُغلق النقاش، وليس إحصاءً للصناعات البديعية.

مكانته في تاريخ البلاغة

ما كان قبله

الجاحظ فتح فكرة النظم وفكرة التصوير، وكتابه في نظم القرآن غير موجود، فلا نحمّله نظرية لم تصلنا. الرماني صنّف وجوهًا بلاغية في الإعجاز. الباقلاني دافع عن النظم دفاعًا إجماليًا وميّز القرآن من فنون القول. عبد الجبار تكلم في ضم الكلم. القاضي الجرجاني والآمدي وقدامة نظروا في الشعر والسرقة والتمثيل. عبد القاهر لم يبدأ من فراغ. فضله أنه حوّل الإشارات إلى منهج تفسير: كل مزية تُعاد إلى تعليق ومعنى نحوي أو إلى طريق في الصورة، وتُمتحن بصيغة مقابلة.

ما الذي أضافه؟

أضاف حدًّا للنظم يمنع اختزاله في الوزن أو الغرابة أو ضمّ الأصوات. وأضاف أن النحو معاني لا علامات فقط. وأضاف في المجاز تفريق اللغوي من العقلي. وأضاف في التمثيل أنه أخص من التشبيه. وأضاف في معنى المعنى اسمًا للدلالة الثانية. وأضاف، وهذا قد لا يُبرَز بما يكفي، طريقة الموازنة بين الصياغة الواقعة والصياغة المعدولة. هذه الطريقة هي التي ما زالت صالحة لتعليم تحليل النص، بعد أن تغيّرت مصطلحات المدارس.

أثره فيمن بعده

الزمخشري (ت 538هـ) في «الكشاف» يقرأ الآية بسؤال جرجاني في الروح: ماذا صنعت العلاقة النحوية والصورة معًا؟ ولا يصح أن يُنسب تحليل الزمخشري للجرجاني ولا العكس. فخر الدين الرازي (ت 606هـ) لخّص مسائل الكتابين في «نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز»، وفي التلخيص دائمًا اختيار وحذف. السكاكي (ت 626هـ) في القسم الثالث من «مفتاح العلوم» أعاد بناء المادة بناءً منطقيًا: حدود، وأقسام، وشروط. وما يسميه علم المعاني هو، في جوهره، ميدان النظم ومعاني النحو بعد أن دخل جهازًا اصطلاحيًا. الخطيب القزويني (ت 739هـ) في «تلخيص المفتاح» و«الإيضاح» ثبّت القسمة الثلاثية: المعاني، والبيان، والبديع، وعلى هذه القسمة استقر الدرس التعليمي إلى اليوم.

من النظرية إلى التقعيد

كسبت البلاغة بعد الجرجاني قابلية للتعليم، ومصطلحًا مشتركًا، وترتيبًا يحفظ العلم من التشتت. وخسرت شيئًا كان في كتبه أصلًا: طول الموازنة، والامتناع عن تعليق دلالة واحدة على كل تقديم أو كل تنكير، وربط القاعدة بشاهد يُعاد تخريجه لا بتعريف يُحفظ. من يقرأ «الإيضاح» ظانًّا أنه يستغني به عن «الدلائل» يأخذ الخريطة ويفوّته سير الأرض. ومن يقرأ الجرجاني وهو يزدري التقعيد كله يفوته أن المصطلح المتأخر وُلد من مسائله.

اقرأ أيضاً:

نظرية النظم والدراسات الحديثة: تقاطع لا تطابق

ما الذي يتقاطع فعلًا؟

تتقاطع النظرية مع الدرس اللساني الحديث في مبادئ يمكن وصفها من غير إسقاط. المعنى في الجملة ليس مجموع معاني المعجم. العلاقات النحوية، كالإسناد والتعريف والتقديم، تسهم في الدلالة. للمتكلم اختيارات داخل ما تجيزه القاعدة، وهذه الاختيارات تصنع الأسلوب. والسياق والغرض يوجّهان التفسير. هذه نقاط لقاء مع علم الدلالة (Semantics)، ومع المبحث الذي يصل التركيب بالمعنى، ومع الأسلوبية (Stylistics) من حيث عنايتها بالاختيار، ومع التداولية (Pragmatics) من حيث عنايتها بالغرض والمقام.

الأسلوبية والبنية

الأسلوبية تدرس لِمَ اختار المنشئ هذه الصيغة دون قريبتها. وهذا قريب من سؤال الجرجاني في وجوه الباب. أما «البنية» في النقد البنيوي فتقوم، في صورتها السوسيرية، على أن قيمة العنصر من فروقه داخل النسق، لا من جوهر معزول. يلتقي هذا، من بعيد، مع قول الجرجاني إن اللفظة لا فضل لها قبل موقعها. ويفترق افتراقًا جوهريًا: نسق سوسير نظام لغوي اجتماعي يسبق الفرد، ونظم الجرجاني تأليف متكلمٍ مريدٍ لغرضٍ في كلام بعينه، داخل قواعد العربية، وله أفق ديني هو الإعجاز. تسمية نظريته بنيويةً تسمية استعارية، تجوز في عنوان بحث إذا بُيّنت الحدود، ولا تجوز بوصفها تحقيقًا تاريخيًا.

هل سبق اللسانيات الحديثة؟

سبق إلى أفكار تتقاطع مع أسئلة حديثة: تركيبية المعنى، وأهمية العلاقة، وتفاضل الأبنية الصحيحة. ولم يسبق إلى نظريات القرن العشرين بهويتها ومسلماتها وأدواتها. النحو التوليدي، مثلًا، يهتم بالقواعد التي تفسر قدرة المتكلم على إنتاج الجمل وتمييز السليم من غير السليم. والجرجاني يقف، في «الدلائل»، بعد السلامة: عند تفاضل جمل كلها سليمة. من يقول إنه «اكتشف التوليدية» أو «قال بالبنيوية قبل أصحابها» ينقل مصطلحًا حديثًا إلى غير بيئته. الدراسات التي تقارن التعليق بالعلاقات الدلالية المعاصرة مقاربات تفسيرية نافعة، لا أدلة تطابق. وقد لخّص بحث أركان حسين مطير، في مجلة بحوث اللغات سنة 2020، أسس النظرية في: توخي معاني النحو، والتعليق، والبناء، واللفظ والمعنى، والمجاز، ومعنى المعنى. هذه الأسس تُقرأ في نص الجرجاني نفسه، والمقارنة الحديثة طبقة ثانية تُضاف إليها ولا تحل محلها.

بين الشائع والصحيح

  • ليس أول من نطق بكلمة النظم، ولا مؤسس البلاغة من عدم. هو من أعطى النظم أكمل صياغة تحليلية في القرن الخامس.
  • ليس النظم تقديم كلمة على كلمة. هذا أحد مظاهره إذا تغيّر المعنى.
  • سنة 400هـ لمولده تقدير حديث، لا خبر تراجمي.
  • تلمذته على القاضي الجرجاني محل نظر زمني.
  • «الدلائل» و«الأسرار» لا يكرران كتابًا واحدًا.
  • الاتفاق مع اللسانيات في بعض الأسئلة لا يعني وحدة المذهب.
  • تحليلات «الكشاف» للآيات المشهورة، ومنها ما شاع من كلام في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود: 44]، تُنسب إلى الزمخشري في مواضعها، ولا تُلصَق بالجرجاني لمجرّد شهرة الآية في دروس الإعجاز.

اقرأ أيضاً:

كيف تُقرأ كتبه اليوم؟

يبدأ قارئ «الدلائل» بفصول النظم والتعليق ووجوه الخبر، ثم يتبع شاهدًا واحدًا إلى آخره قبل أن يجمع القواعد. إن توقف عند التعريف المشهور «توخي معاني النحو» ولم يصنع موازنة بين صيغتين، فلم يقرأ الكتاب بعد. ويبدأ قارئ «الأسرار» بالفرق بين التشبيه والتمثيل، ثم بحد الاستعارة، ثم بتقسيم المجاز، ويؤخر التجنيس والأخذ حتى يستقر عنده أن اللفظ لا يُطلب لذاته.

وأما الكتب النحوية فمداخل لا حواشٍ. «العوامل» و«الجمل» يُريان المعلم. «المقتصد» يُري الشارح. «الدلائل» يُري صاحب النظرية. الطالب الذي يحفظ «إنما» و«تقديم ما حقه التأخير» من كتب المتأخرين، ثم يعود إلى موازنات الجرجاني، يتعلم من أين جاءت القاعدة وأين تضيق عنها الشواهد.

والذي يستفيده الباحث أوضح من تلخيص النظرية. يتعلم أن يسمي العلاقة قبل أن يحكم بالجمال، وأن يفرق بين المعنى الظاهر والمعنى الذي يفضي إليه، وأن يعرض الصيغة المعدولة قبل أن يصف الصيغة القائمة بالإعجاز أو بالبراعة، وأن يميّز المجاز اللغوي من العقلي قبل أن يعمم كلمة «صورة». هذه عادات قراءة، وهي أثر الجرجاني العملي، أبقى من نعته بأي لقب.

ما الذي يبقى منه؟

يبقى أنه رفض اختيارًا كاذبًا بين نحويّ لا يرى إلا العلامة، وبلاغيّ لا يرى إلا الزخرف. الكلام البليغ عنده كلام صحيح زادت فيه معاني النحو ووجوه التصوير عن حد الإفادة المجردة، حتى صار الفرق بينه وبين كلام صحيح آخر فرقًا يدركه من ينظر ويوازن. وإعجاز القرآن، في هذا الأفق، ليس غرابة كلمة ولا منعًا خارجيًا من المعارضة، بل نظمًا بلغ في توخي تلك المعاني مبلغًا عجز عنه الفصحاء. من أراد الجملة التي تستحق الحفظ من مشروعه كله، فهي أن المزية لا تُعرف حتى يُعرَف الوجه الذي كانت تكون عليه العبارة لو قيلت على غير ما قيلت.

اقرأ أيضاً:

أسئلة شائعة

هل يكفي أن أحفظ أن النظم هو توخي معاني النحو؟
الحفظ بداية. الفهم أن تستطيع أن تأخذ جملة وتبيّن ماذا يتغير في معناها إذا قُدّم خبرها، أو عُرّف، أو حُذف منها ما دل عليه الكلام. من غير هذه الموازنة يبقى التعريف شعارًا.

أي الكتابين أقرأ أولًا؟
إن كان سؤالك عن الإعجاز والتراكيب فابدأ بـ«دلائل الإعجاز». وإن كان عن التشبيه والاستعارة والمجاز فابدأ بـ«أسرار البلاغة». وفهم أحدهما من غير الآخر فهم ناقص للمصطلح لا للمؤلف.

هل كل حذف أو تقديم بليغ؟
لا. البلاغة في الحذف والتقديم مشروطة بأن يصنعا فرقًا يوافق الغرض، وأن يبقى التعليق مفهومًا. الوجوه النحوية إمكانات، والذوق المعلَّل يختار منها.

هل كان الجرجاني شاعرًا كبيرًا؟
كان له شعر في المدح وشكوى الزمان، يثبته القفطي وغيره. شهرته من العلم لا من الديوان. وشعره شاهد على مزاجه وعصره، لا على أنه من طبقة من اختار من دواوينهم.

هل نظرية النظم قاعدة تُطبَّق آليًا على كل نص؟
هي منهج سؤال، لا آلة. تُلزمك بتحديد العلاقة والغرض والفرق بين الصيغ. إذا تحولت إلى قائمة ألقاب تُلصَق بالأبيات فقد عادت إلى الحال التي كتب الجرجاني لتجاوزها.

المراجع والمصادر

  • الجرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن. دلائل الإعجاز. تحقيق محمود محمد شاكر. القاهرة: مكتبة الخانجي. (ونشرة محمد عبده، مطبعة المنار، 1321هـ).
  • الجرجاني، عبد القاهر. أسرار البلاغة. تحقيق محمود محمد شاكر. القاهرة: مكتبة الخانجي. (ونشرة محمد عبده، مطبعة المنار، 1320هـ).
  • الجرجاني، عبد القاهر. الرسالة الشافية. ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن. تحقيق محمد خلف الله أحمد ومحمد زغلول سلام. القاهرة: دار المعارف. وهي أيضًا بذيل دلائل الإعجاز تحقيق شاكر.
  • الجرجاني، عبد القاهر. المقتصد في شرح الإيضاح. تحقيق كاظم بحر المرجان. بغداد.
  • الجرجاني، عبد القاهر. الجمل. تحقيق علي حيدر. دمشق، 1392هـ.
  • الجرجاني، عبد القاهر. المفتاح في الصرف. تحقيق علي توفيق الحمد. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1407هـ.
  • الجرجاني، عبد القاهر. العوامل المائة النحوية (طبعات وشروح متعددة).
  • القفطي، جمال الدين علي بن يوسف. إنباه الرواة على أنباه النحاة. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. 2/188 وما بعدها.
  • الباخرزي، علي بن الحسن. دمية القصر وعصرة أهل العصر.
  • السبكي، تاج الدين. طبقات الشافعية الكبرى.
  • السيوطي، جلال الدين. بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة.
  • ابن شاكر الكتبي. فوات الوفيات.
  • الذهبي. سير أعلام النبلاء؛ وتاريخ الإسلام.
  • دار الإفتاء المصرية. «الإمام عبد القاهر الجرجاني». صفحة التعريف.
  • الجاحظ. الحيوان (في شأن المعاني المطروحة والصنعة)؛ وإشاراته إلى نظم القرآن في ما بقي من كتبه، وكتابه نظم القرآن مفقود.
  • الرماني. النكت في إعجاز القرآن.
  • الباقلاني. إعجاز القرآن.
  • الزمخشري. الكشاف.
  • الرازي، فخر الدين. نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز.
  • السكاكي. مفتاح العلوم.
  • القزويني، الخطيب. تلخيص المفتاح؛ والإيضاح في علوم البلاغة.
  • مطير، أركان حسين. «الأسس الفنية في نظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ)». مجلة بحوث اللغات، 2020. نص الدراسة.
  • السديس، أحمد بن صالح. «التقديم والتأخير عند عبد القاهر الجرجاني في كتابيه الأسرار والدلائل». مجلة العلوم العربية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

أ. منيب محمد مراد

أستاذ لغة عربية وباحث أكاديمي: متخصص في علوم اللغة العربية والتدقيق اللغوي، ومهتم بتوثيق السير والتاريخ الأدبي والعام، مما يضمن دقة المعلومات في أقسام التراجم والتاريخ، وسلامة المواد المنشورة في أقسام النحو والإعراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى