مقالات أدبية

هل دفنا الشعر؟

د. إبراهيم بلفقيه اليوسفي

ليس غريبا أن نقول إن الشعر اليوم صار غائبا أو مُغَيبا عن ساحتنا الثقافية بله حياتنا اليومية، فبعد المجد الذي عرفه الشعر لدى العرب – إذ تربع على عرش الأدب أكثر من اثنا عشر قرنا من الزمن- ها هو اليوم ينزوي ويجلس غريبا لوحده في زاوية مُعْتمة، فلا يرى أحدا ولا يقربه أحد، لقد فتنت الروايةُ الحديثة العالَم حتى أضحت رمزا من رموز الثقافة والتثقف، فلا تسأل أحدا عن مقروءاته إلا وذَكَر أولَ ما يَذكُر روايات لنجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وغيرهما ممن شُهِر بهذا الفن في ثقافتنا العربية،  أما الشعر فما عاد يُلتفت إليه ولا يُؤبه لأصحابه، ولعل أول ما يتبادر إلى أذهاننا هو السؤال عن سبب علو الرواية وانتشارِها وانزواءِ الشعر وغيابه؟

إذا أنعمنا النظر في المسألة وجدنا صَدارة الرواية جاءت نِتاجا لوضوح معظم الروايات وسهولةِ لغتها وبعدِها عن المجاز كثيرا، حتى أصبحت بعض الروايات تقريرا مباشرا، كما أن الرواية لا تحتاج اطلاعا واسعا ومعرفةً دقيقة بأسرار اللسان حتى نستطيع خوض غمارِها أو سبرَ أغوارها، علاوة على الدعم المادي والمعنوي الذي يتلقاه الروائيون من خلال المسابقات الغالية والمهرجانات الكبيرة، وهو ما لا يتوفر للشعر عامة والعمودي خاصة.

كما لا يفوتنا أن ننبه إلى ما ذكره ابن خلدون من وَلَع المغلوب بتقليد المُتَغَلٌب، فالغرب الذي يقود عجلة الحضارة اليوم جُل إبداعاته الأدبية تدور في فلك النثر عامة والرواية خاصة، وهذا ملاحظ من خلال قوائم مطبوعات دور النشر في الغرب، وطبيعي أ نيقلد العربُ الغربَ أو لنقل أن يمتد إليهم مد الرواية الجارفُ.

ها قد أجبنا عن الشق الأول للسؤال، وبقي علينا الثاني، يرجع تخلف الشعر عن النوادي الأدبية والمحافل الثقافية إلى عدة أمور منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولا تردي المستوى الثقافي والعلمي لأجيال ما بعد النهضة العربية الحديثة.

ثانيا انصراف الشعر المعاصرين إلى شعر التفعيلة، وهو ما أدى بهم إلى الإيغال في الرمز والإيحاءِ، مما أسقط الشعر في أوحال الغموض،  فنفر منه القارئ واستهجنته الطبائع السليمة التي رأته عضوا مُشوِها لصفاء الشعرية العربية.

ثالثا ما دار حول هذا الشعر-وأقصد العمودي- من معارك بين المقلدين المتعصبين والحداثيين الذين انفلتوا من كل قيد وانساقوا وراء الشعر الغربي، حتى صار القارئ بين نصين لا ثالث لهما: نصِ موغل في البديع لا روح له ولا ملاحة عليه، ونصِغارق في الرموزوالأساطير الغريبة عن ثقافتنا والمغردة خارج السرب، وهذا مما جعل القارئ ينصرف بالكلية نحو الرواية الواضحةوالتي تحكي معاناته وترسم آماله.

رابعا ضعف الدعم المادي والمعنوي إن لم نقل انعدامُه، خاصة في مطلع الألفية الثالثة بعدما ماتت الأكابر أمثال: الجواهري ونزار وأبو ريشة والسياب… فخلت ساحة الشعر من فرسانها ولم يبق إلا تلاميذ لم يرقوا إلى مستوى أساتيذهم أو شرذمة من الكبار التي أخطأ الإعلامُ مكانَها فسلط الضوءَ على غيرها.

لكن هل يحق لنا القول إننا ودعنا الشعر؟ هذا سؤال يصعب الجواب عليه، لكن الذي يبدو أن الشعر لم يمت يوما ولم يكتب له أن يموت بعد، فما زال عرق من عروقه ينفض، كما تأبى طبيعة الثقافة العربية الإسلامية الدائرة في فلك القرءان والسنة موتَ هذا الشعر، ومهما شاعت الرواية وذاعت فإنها تظل مرتبطة بالعامة، أما الشعر فهو أدب  الخاصة، الذي يحتاج قارئا مطلعا ومُلِما بعلوم العربية حتى يستمتع  بجماله ويقتنع بأغراضه، وهنا نشير إلى أن الرواية هي الأخرى تعاني من تجاسر كثير من المتطفلين عليها، وهو ما سيخدش جمالها ويُعيق تقدمها، وهذا ما لا نرجوه لها، ويبقى الشعر مُدَربا على الأزمات.

د. إبراهيم بلفقيه

الدكتور إبراهيم بلفقيه -دكتوراه في اللغة العربية تخصص النص الأدبي القديم، جامعة عبد المالك السعدي – تطوان – المغرب. -حصل على ماجسيتير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، جامعة عبد المالك السعدي – تطوان – المغرب. -إجازة في الدراسات العربية مسار اللسانيات، جامعة سيدي محمد بن الله – فاس – المغرب. -أستاذ مادة اللغة العربية بالسلك الثاني (الثانوي التأهيلي)، ورئيس قسم اللغة العربية وعلومها بمركز استبصار للتكامل المعرفي في المغرب. وباحث في مركز مناهل للدراسات والأبحاث وإحياء التراث بالناظور في المغرب. من أعماله العلمية: -تأليف ديوان حماد عجرد وأخباره، دار ملامح – الإمارات. -تحقيق سبعة مؤلفات منها: شرح المقدمة الأزهرية للشيخ خالد الأزهري، وشافية الدجم على لامية العجم للشيخ المكي البطاوري، وشرح متخير الألفاظ لابن فارس، وشرح جمل الزجاجي، وغاية الأمل في شرح الجمل، وغيرها الكثير. -له نحو 14 بحثاً محكماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى