شروح الحديث

شرح حديث لكل عمل شرة ولكل شرة فترة | باب اتباع سنة النبي (ص)

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي، فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ».


حكم الحديث

هذا الحديث إسناده صحيح، وقد صححه عدد من أهل العلم، وذكر بعضهم أن إسناده على شرط البخاري، وأن رجال إسناده رجال الصحيح. قاله الهيثمي.
وقال الإمام شمس الدين الداودي: أصل هذا الحديث في صحيح البخاري. قاله الداودي.
وقال ابن حجر: إسناده صحيح. قاله ابن حجر.
وصححه أيضاً الألباني. قاله الألباني.

اقرأ أيضاً:

شرح مفردات الحديث

«لكل عمل شِرَّة»

الشِّرَّة: هي النشاط والرغبة والإقبال القوي على العمل، مع حرص النفس عليه. قاله القاضي.

والمقصود أن الإنسان إذا بدأ عملاً من الأعمال الصالحة، فقد يجد في نفسه قوةً ونشاطاً وحماساً كبيراً.

«ولكل شِرَّة فترة»

الفترة: هي الضعف والفتور والسكون والخمول بعد النشاط. قاله الصنعاني.

ومعنى هذا أن الإنسان لا يبقى دائماً على الدرجة نفسها من الحماس، بل قد تعتريه أوقات يضعف فيها نشاطه، وهذا أمر يقع غالباً في طبائع الناس.

«فمن كانت فترته»

أي: من كان وقت فتوره وضعفه وسكونه وميله. قاله العزيزي.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم فقط عن وقت النشاط، بل يوجه المسلم إلى ما ينبغي أن يكون عليه حتى في وقت الضعف.

«إلى سنتي»

أي: إلى طريقتي وهديي الذي شرعته للأمة. قاله المناوي.

فالمطلوب أن يبقى المسلم في حال نشاطه وفتوره ملتزماً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، بعيداً عن الغلو والبدع والانحراف.

اقرأ أيضاً:  شرح حديث: إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله

«فقد أفلح»

أي: فقد فاز واهتدى وسلك طريق الرشاد. قاله العزيزي.

وفي بعض الروايات: فقد اهتدى.

«ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك»

أي: من كان فتوره وميله إلى غير سنة النبي صلى الله عليه وسلم، كالبدع واتباع الهوى وترك الاستقامة، فقد سلك طريقاً يؤدي إلى الهلاك والخسران. قاله المناوي.
وقال المناوي: الهلاك الأبدي والشقاء السرمدي. قاله المناوي.
وذلك بسبب ضلاله عن طريق الهدى. قاله العزيزي.


الشرح العام للحديث

يبين هذا الحديث العظيم طبيعة النفس البشرية، وأنها تمر بحالتين:

  • حالة نشاط وإقبال على الطاعة والعمل الصالح.
  • وحالة فتور وضعف بعد ذلك.

وهذا أمر معروف في حياة الناس، فليس من السهل أن يبقى الإنسان دائماً في أعلى درجات الحماس. لكن العبرة ليست بوجود الفتور نفسه، وإنما العبرة: إلى أين يأخذك هذا الفتور؟

فإن كان فتورك لا يخرجك عن السنة، ولا يدفعك إلى ترك الفرائض، ولا يوقعك في البدع أو المعاصي أو الانحراف، فأنت على خير، وقد بشرك النبي صلى الله عليه وسلم بالفلاح.

أما إذا كان فتور الإنسان يجره إلى ترك الهدي النبوي، أو إلى التسيب، أو إلى الغلو المنحرف، أو إلى البدع، أو إلى اتباع الهوى، فهذه علامة خطر عظيم؛ لأن العبد في هذه الحال لم يجعل مرجعه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل جعل مرجعه غيرها.

فالحديث يرشد المسلم إلى الاعتدال والثبات، وأن أفضل السير إلى الله هو ما كان على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، لا على مجرد الحماس العاطفي المؤقت، ولا على التشدد الذي ينقطع صاحبه بعده.


مقاصد الحديث

1) بيان طبيعة النفس البشرية

النفس تقبل وتدبر، وتنشط وتفتر، وهذا أمر لا يسلم منه أحد.

2) أن الفتور ليس المشكلة في ذاته

الفتور قد يقع من الإنسان، لكن الخطر الحقيقي أن يتحول هذا الفتور إلى خروج عن السنة.

اقرأ أيضاً:  شرح حديث المياثر والكاسيات العاريات في آخر الزمان

3) الحث على لزوم السنة في جميع الأحوال

في حال النشاط، وفي حال الضعف، وفي حال الإقبال، وفي حال الفتور.

4) التحذير من البدع واتباع الهوى

فالحديث يدل على أن من ترك السنة وقت ضعفه، وانصرف إلى غيرها، فقد عرض نفسه للهلاك.

5) الدعوة إلى الاعتدال

فالمنهج النبوي ليس غلواً ولا تفريطاً، بل هو هدي مستقيم يراعي طبيعة النفس ويقودها إلى الثبات.

6) أن الفلاح الحقيقي في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم

وليس في كثرة الأعمال التي لا تكون على هديه.


إضاءات للمتابع

  • ليس المطلوب أن تكون في أعلى درجات النشاط كل يوم، ولكن المطلوب أن تبقى على الطريق الصحيح.
  • قد يظن بعض الناس أن الفتور يعني نهاية الالتزام، وهذا خطأ؛ بل الفتور مرحلة تحتاج إلى وعي وحسن تعامل.
  • من علامات سلامة المسلم أنه إذا فتر، لم يترك الفرائض، ولم يقع في المحرمات، ولم يبتدع في الدين.
  • السنة هي ميزان السير إلى الله، فمن لزمها نجا، ومن استبدلها بهواه ضل.
  • الاندفاع الشديد في البداية دون بصيرة قد يؤدي إلى الانقطاع، أما السير المعتدل على السنة فهو أبقى وأثبت.
  • المؤمن الصادق إذا ضعفت همته، رجع إلى الأصول الثابتة: الصلاة، والذكر، والقرآن، والطاعة، والاستقامة.

رسائل من وحي الحديث

  • لا تغتر بنشاط البداية؛ فالعبرة ليست بالبدايات المتوهجة، بل بحسن الثبات وحسن الخاتمة.
  • إذا شعرت بالفتور، فلا تترك السنة، بل تمسك بها أكثر.
  • لا تجعل ضعفك باباً للبدعة أو التسيب أو التساهل في أوامر الله.
  • من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته أنه دلهم على الطريق الواقعي الذي يراعي طبيعتهم.
  • أفضل الأعمال ما دام عليه صاحبه، ولو كان قليلاً، إذا كان على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
  • النجاة ليست في كثرة الاجتهاد المجرد، وإنما في الاجتهاد المنضبط بالسنة.
اقرأ أيضاً:  شرح حديث: من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه

خاتمة

هذا الحديث أصل عظيم في فهم طبيعة السير إلى الله تعالى؛ لأنه يعلم المسلم أن النشاط والفتور مرحلتان تمران به، لكن النجاح كل النجاح في أن يكون ذلك كله تحت مظلة السنة. فمن حافظ على هدي النبي صلى الله عليه وسلم في حال قوته وضعفه، وإقباله وفتوره، فقد فاز واهتدى. أما من خرج عن السنة عند الفتور، ومال إلى البدع أو الأهواء أو التهاون، فقد عرّض نفسه للهلاك.

لذلك كان من أهم ما يحتاجه المسلم: الثبات على السنة، والاعتدال في العبادة، وملازمة الهدي النبوي في كل الأحوال.

اقرأ أيضاً:


المصادر والمراجع

فيما يلي قائمة مرتبة وموحدة دون تكرار:

أولاً: مصادر متن الحديث

  1. مسند الإمام أحمد بن حنبل.
  2. الزهد والرقائق لابن المبارك.
  3. بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث.
  4. السنة لابن أبي عاصم.
  5. البحر الزخار للبزار.
  6. صحيح ابن خزيمة.
  7. شرح مشكل الآثار للطحاوي.
  8. المسند للشاشي.
  9. صحيح ابن حبان.
  10. المعجم الكبير للطبراني.
  11. شعب الإيمان للبيهقي.

ثانياً: مصادر الحكم على الحديث

  1. الجامع الصحيح فيما كان على شرط الشيخين أو أحدهما ولم يخرجاه ليوسف بن جودة الداودي.
  2. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي.
  3. تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للعراقي والسبكي والزبيدي.
  4. المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر.
  5. مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد لابن حجر.
  6. المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي لأبي الفيض أحمد بن محمد الغماري.
  7. صحيح الجامع الصغير وزياداته للألباني.
  8. جامع الأحاديث للسيوطي.

ثالثاً: مصادر شرح الحديث

  1. التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني.
  2. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري.
  3. شرح صحيح ابن حبان لعبد العزيز الراجحي.
  4. السراج المنير شرح الجامع الصغير في حديث البشير النذير للعزيزي.
  5. التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي.
  6. فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي.

أ. منيب محمد مراد

أستاذ لغة عربية وباحث أكاديمي: متخصص في علوم اللغة العربية والتدقيق اللغوي، ومهتم بتوثيق السير والتاريخ الأدبي والعام، مما يضمن دقة المعلومات في أقسام التراجم والتاريخ، وسلامة المواد المنشورة في أقسام النحو والإعراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى