شروح الحديث

شرح حديث لعن المتشبهين من الرجال والنساء: المعنى السهل والمقاصد والفوائد

نص الحديث

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:
«لَعَنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاَتِ مِنَ النِّسَاءِ، وقال: أخرجوهم من بيوتكم».
قال: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلانًا، وأخرج عمر فلانًا.
رواه البخاري وغيره.

اقرأ أيضاً: شرح حديث لكل عمل شرة ولكل شرة فترة | باب اتباع سنة النبي (ص)

شرح الحديث

هذا الحديث يبين أن الإسلام يحرص على بقاء الفطرة سليمة، ويمنع أن يتشبه الرجل بالمرأة، أو المرأة بالرجل، في الأمور التي تميز كلًّا منهما.

أولًا: شرح المفردات

لعن
أي: الطرد والإبعاد من رحمة الله، وهذا يدل على أن الفعل المذكور في الحديث من الذنوب العظيمة.

المخنثين من الرجال
هم الرجال الذين يتشبهون بالنساء في الكلام، أو اللباس، أو المشية، أو الحركات، أو الزينة، أو الصوت، ونحو ذلك.
والذم هنا ليس لمن وُجدت فيه بعض الصفات بطبعه ومن غير قصد، وإنما لمن تعمد هذا التشبه وتكلفه ورضيه لنفسه. أما من كان فيه شيء من ذلك خِلقةً لا اختيارًا، فلا يؤاخذ بما لا يملك، لكن عليه أن يجاهد نفسه في ترك ما يستطيع. قاله الطبري، وابن علان، والعيني، والقاري.

المترجلات من النساء
هن النساء المتشبهات بالرجال في الهيئة، واللباس، والمشية، وطريقة الكلام، ورفع الصوت، ونحو ذلك. قاله عكرمة، والعيني، والقاري.

أخرجوهم من بيوتكم
أي: أبعدوا من يُظهر هذا المنكر من البيوت والمجالس إذا كان في بقائه ضرر أو فتنة أو إفساد، لأن بقاءه قد يؤثر في أهل البيت أو المجتمع. وقد فهم بعض العلماء أن الإبعاد قد يكون من المسكن، وقد يصل عند الحاجة إلى الإبعاد عن المكان أو البلد إذا رأى ولي الأمر في ذلك مصلحة شرعية. قاله المهلب، والعيني، والكرماني، والقاري.

اقرأ أيضاً:  شرح حديث المياثر والكاسيات العاريات في آخر الزمان

فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلانًا، وأخرج عمر فلانًا
المعنى: أن هذا التوجيه لم يكن مجرد كلام، بل جرى العمل به عند ظهور المنكر وخشية الفساد. وقد اختلف العلماء في تعيين أسماء من أُخرجوا، ولا يترتب على معرفة الاسم حكم جديد. قاله ابن حجر، والقسطلاني.

ثانيًا: الشرح العام للحديث

هذا الحديث أصل في النهي عن تشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال.
فالإسلام لا يريد من الرجل أن يضيع رجولته، ولا من المرأة أن تضيع أنوثتها، لأن الله خلق كل جنس بخصائص تليق به، وفي هذا كمال الحياة واستقامة المجتمع.

فالحديث يدل على أمور مهمة:

  1. أن التشبه المتعمد بالجنس الآخر أمر محرم، سواء كان في اللباس، أو الزينة، أو الكلام، أو الحركات، أو الهيئة العامة. قاله القاري.
  2. أن اللعن هنا ليس بسبب أمر خِلقي لا يقدر الإنسان على دفعه، وإنما بسبب التعمد والتكلف وتغيير الهيئة التي فطر الله الإنسان عليها. قاله الطبري.
  3. أن من ابتلي بشيء من ذلك بطبعه لا يُذم على ما لا يملكه، لكن يُطلب منه أن يسعى في تهذيب نفسه وترك ما يقدر على تركه، فإن تمادى مع القدرة على الإصلاح استحق الذم. قاله ابن علان.
  4. أن من مقاصد الحديث حماية البيوت والمجتمع من الفتنة والفساد، ولهذا جاء الأمر بالإخراج عند ظهور هذا المنكر وخشية أثره السيئ. قاله المهلب، ونقله ابن بطال.
  5. أن من العقوبات التعزيرية إبعاد من يجاهر بمعصية تضر الناس إذا رأى ولي الأمر أو من له ولاية أن في ذلك مصلحة شرعية. قاله الكرماني.

اقرأ أيضاً: شرح حديث المياثر والكاسيات العاريات في آخر الزمان

ثالثًا: مقاصد الحديث

1) حفظ الفطرة

الحديث يؤكد أن الشريعة جاءت بحفظ الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وعدم العبث بها أو قلبها.

اقرأ أيضاً:  شرح حديث: إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله

2) التفريق بين الابتلاء والمعصية

الإسلام يفرق بين من ابتُلي بأمر لا يملكه، وبين من يتعمد فعل المنكر ويصر عليه.

3) حماية الأسرة

البيت المسلم ينبغي أن يكون مكانًا للستر والطهارة والتربية الصحيحة، لا مكانًا لترويج السلوك المنحرف.

4) سد أبواب الفتنة

التشبه المحرم لا يقف عند المظهر فقط، بل قد يفتح أبوابًا أخرى من الفساد الخلقي والسلوكي.

5) تربية المجتمع على الوضوح والانضباط

الحديث يربي المسلم على الاعتزاز بهويته التي خلقه الله عليها، وعدم الذوبان في التقليد الأعمى أو الأهواء.

اقرأ أيضاً: شرح حديث: إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله

رابعًا: فوائد مختصرة من الحديث

  • التشبه بين الرجال والنساء في الأمور الخاصة بكل جنس منهي عنه.
  • الذنب يشتد إذا كان عن قصد وتكلف وإظهار.
  • اللعن في الحديث دليل على عظم هذا الفعل.
  • على المسلم أن يرضى بما خلقه الله عليه.
  • للبيوت دور كبير في حماية الفطرة والأخلاق.
  • ولي الأمر يملك التعزير بما يحقق المصلحة ويدفع المفسدة.

إضاءات للمتابع

  • ليس المقصود من الحديث السخرية من الناس أو ظلمهم، بل المقصود تقويم السلوك وحماية الفطرة.
  • لا يجوز أن يتحول فهم الحديث إلى تنمر أو شماتة أو اعتداء على أحد.
  • من كان عنده شيء من هذا بطبعه، فعلاجه يكون بالرفق، والمجاهدة، والتربية، والاستعانة بالله.
  • كثير من صور التشبه تبدأ من التقليد في الموضات واللباس والكلام، ثم تتوسع مع الوقت.
  • من الحكمة أن يعالج هذا الباب مبكرًا في البيت، قبل أن يتحول إلى عادة راسخة.

رسائل من وحي الحديث

  • احمد الله على الفطرة التي فطرك عليها، وتمسك بها.
  • لا تجعل الموضات أو المؤثرات الخارجية تغيّر هويتك.
  • ربِّ أبناءك وبناتك على الاعتزاز بما خلقهم الله عليه.
  • انتبه لما يدخل بيتك من أفكار ومحتويات ومظاهر تؤثر في السلوك.
  • من وقع في شيء من ذلك فباب التوبة مفتوح، والله يقبل من رجع إليه بصدق.
اقرأ أيضاً:  شرح حديث لكل عمل شرة ولكل شرة فترة | باب اتباع سنة النبي (ص)

خاتمة

هذا الحديث من الأحاديث العظيمة في باب حفظ الفطرة وصيانة المجتمع.
وهو يعلّمنا أن الإسلام لا يكتفي بالنهي عن المنكر، بل يعالج أسبابه وآثاره أيضًا. كما يعلّمنا العدل والميزان الصحيح: فلا نذم أحدًا على ما لا يملكه، لكننا ننكر التشبه المتعمد الذي يخالف الفطرة ويوقع في الفساد.
فالواجب على المسلم أن يلتزم بهدي الشرع، وأن يرضى بما قسم الله له، وأن يحفظ نفسه وأهله من أسباب الانحراف.


المصادر والمراجع

أولًا: مصادر الحديث

  1. صحيح البخاري — الإمام محمد بن إسماعيل البخاري.
  2. مسند الإمام أحمد بن حنبل — الإمام أحمد بن حنبل.
  3. سنن الدارمي — الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي.
  4. سنن أبي داود — الإمام أبو داود السجستاني.
  5. السنن الكبرى — الإمام النسائي.
  6. المعجم الكبير — الإمام الطبراني.
  7. السنن الكبرى — الإمام البيهقي.

ثانيًا: المراجع والشروح

  1. شرح صحيح البخاري — ابن بطال.
  2. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين — ابن علان.
  3. عمدة القاري شرح صحيح البخاري — بدر الدين العيني.
  4. الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج — جلال الدين السيوطي.
  5. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح — علي القاري.
  6. فتح الباري شرح صحيح البخاري — الحافظ ابن حجر العسقلاني.
  7. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري — القسطلاني.

أ. منيب محمد مراد

أستاذ لغة عربية وباحث أكاديمي: متخصص في علوم اللغة العربية والتدقيق اللغوي، ومهتم بتوثيق السير والتاريخ الأدبي والعام، مما يضمن دقة المعلومات في أقسام التراجم والتاريخ، وسلامة المواد المنشورة في أقسام النحو والإعراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى