شرح حديث المياثر والكاسيات العاريات في آخر الزمان

حدثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب بن يوسف العدل، ثنا الحسين بن محمد بن زياد، ثنا هارون بن معروف، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش القتباني، عن أبيه، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«سَيَكُونُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى الْمَيَاثِرِ حَتَّى يَأْتُوا أَبْوَابَ مَسَاجِدِهِمْ، نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ عَلَى رُءُوسِهِمْ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ، الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ، لَوْ كَانَتْ وَرَاءَكُمْ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَخَدَمَهُمْ كَمَا خَدَمَكُمْ نِسَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ».
فَقُلْتُ لِأَبِي — أي عياش القتباني راوي الحديث —: وَمَا الْمَيَاثِرُ؟ قَالَ: «سُرُوجاً عِظَاماً»
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وفي لفظ أحمد: «لَوْ كَانَتْ وَرَاءَكُمْ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَخَدَمْنَ نِسَاؤُكُمْ نِسَاءَهُمْ، كَمَا يَخْدِمْنَكُمْ نِسَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ».
وفي لفظ ابن حبان: «لَوْ كَانَ وَرَاءَكُمْ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ خَدَمَهُنَّ نِسَاؤُكُمْ، كَمَا خَدَمَكُمْ نِسَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ».
شرح الحديث
أولاً: شرح المفردات
المياثر:
المياثر جمع ميثرة، وقد نهى النبي ﷺ عن ركوبها كما في البخاري ” نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ركوب المياثر “.
وهي وسائد ليّنة وَطيئة كانت توضع على السروج والرحال لتكون مريحة للراكب، وكانت من عادات العجم (الفُرس)، وغالباً ما تُصنع من الحرير أو الديباج. — قاله أبو عبيد.
وقيل إنها شيء كالفراش الصغير يُحشى بالقطن أو الصوف، يضعه الراكب تحته فوق الرحل. — قاله النووي.
حكم المياثر شرعاً:
إن كانت من حرير — وهو الغالب — فهي حرام على الرجال؛ لأن الجلوس على الحرير مثل لبسه، وهذا قول جماهير الفقهاء. — قاله القرطبي.
وإن كانت من غير حرير فالنهي عنها إما للتشبّه بالعجم، أو للإسراف والترف. — قاله ابن بطال.
وقيل إن النهي عنها كان لأنها كانت شعاراً لعظماء الفرس في ذلك الوقت، فنُهي عنها لترك التشبّه بهم، فلمّا زال هذا المعنى ولم تعد شعاراً لهم زالت الكراهة، والله أعلم — قاله العراقي.
سروج كأشباه الرحال:
المعنى أن مراكبهم تكون وَطيئة ليّنة واسعة كالرحال، والرحل هو كل ما يُعَدّ للسفر من متاع ومركب.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن النبي ﷺ يُشير بذلك إلى السيارات التي ابتُكرت في هذا العصر، فهي مراكب وثيرة ليّنة واسعة تشبه الرحال. — قاله الألباني.
وعلى هذا ففي الحديث معجزة نبوية غيبية؛ إذ نُشاهد كل يوم جمعة السيارات تتجمّع أمام المساجد حتى يكاد الطريق يضيق بها، ينزل منها رجال لحضور صلاة الجمعة، وأكثرهم لا يصلّي الصلوات الخمس أو لا يصلّيها في المساجد، فكأنهم اكتفوا بالجمعة فقط، ولذلك لا تظهر ثمرة الصلاة في سلوكهم ولا في تعاملهم مع أهليهم. — قاله الألباني.
ومن الظواهر التي ينطبق عليها الحديث أيضاً: تشييع الجنائز بالسيارات؛ حيث يركبها أقوام من المترفين التاركين للصلاة، فإذا أُدخلت الجنازة المسجد للصلاة عليها مكثوا في سياراتهم أو وقفوا أمام المسجد ينتظرون، لا تعبّداً وتذكّراً للآخرة، بل مجاملةً ونفاقاً اجتماعياً. — قاله الألباني.
كاسيات عاريات
أي إن المرأة تلبس ثياباً في الظاهر، ولكنها في الحقيقة غير مستترة، كأن يكون الثوب رقيقاً شفافاً يصف لون بشرتها، أو ضيقاً يُبرز تفاصيل جسدها، أو قصيراً لا يغطي ما أوجب الله ستره. وقيل: كاسيات من نعم الله، عاريات من الشكر. — قاله ابن عبد البر والنووي.
وهذا ما نراه اليوم منتشراً بكثرة، حيث تلبس كثير من النساء ملابس ضيقة أو شفافة أو قصيرة لا تحقق الستر المطلوب شرعاً.
الأسنمة: جمع سنام، وهو أعلى ظهر البعير، وسنام كل شيء أعلاه.
البُخْت: هي الإبل الخراسانية التي تتميّز بأنها طويلة الأعناق.
العِجاف: جمع عجفاء، وهي المهزولة.
والمقصود أن هؤلاء النسوة يُكبّرن شعورهن ويُعظّمنها بلفّ عمامة أو عصابة أو نحوها حتى تصير رؤوسهن كأسنمة الإبل. — قاله ابن الأثير.
لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم:
هذا تمثيل لبيان شدّة الانحطاط وضياع الهيبة، ومعناه: لو أن الله جعل أمة أخرى بعد هذه الأمة — وهذا لن يكون، فأمة الإسلام هي آخر الأمم — لكانت هؤلاء النسوة المتبطّرات خادمات عند تلك الأمة، كما صارت نساء بني إسرائيل خادمات عند الأمم التي جاءت بعدهن، وذلك بسبب بطرهنّ بنعمة الله وكفرهنّ بها.
ثانياً: الخلاصة والمقاصد
هذا الحديث يتضمّن نبوءات نبوية تحقّقت في زماننا، منها:
- ظهور مراكب وثيرة مريحة (كالسيارات) يركبها الناس وينزلون بها على أبواب المساجد.
- ظهور نساء كاسيات عاريات لا يبالين بالستر والحشمة، يُكبّرن رؤوسهن حتى تصير كأسنمة الإبل.
- ضعف الديانة عند كثير من الرجال والنساء، فلا تظهر ثمرة العبادة في أخلاقهم ومعاملاتهم.
- التحذير من الترف والتشبّه بأهل الدنيا والبطر بنعم الله؛ لأن ذلك سبب للذلّ والانحطاط.
إضاءات للمسلم
السر في الربط بين “مراكب الرجال” و”لباس النساء”:
قد يتساءل القارئ: ما العلاقة بين ركوب الرجال للمراكب الفارهة (كالسيارات) ونزولهم عند أبواب المساجد، وبين ظهور النساء “الكاسيات العاريات”؟
السر هنا في التحذير من غياب القوامة والمسؤولية؛ فعندما ينشغل الرجل بالرفاهية الدنيوية والمظاهر، ويكتفي من الدين بأداء العبادات شكلياً كعادة اجتماعية دون أن يلامس الإيمان قلبه؛ فإنه يفقد هيبته وأثره التربوي في بيته، وتضعف غيرته على محارمه. فالحديث يلفت انتباهنا إلى أن الخلل في لباس النساء وحشمتهن، غالباً ما يسبقه خلل في مسؤولية الرجال وغياب لتوجيههم، مصداقاً لقوله ﷺ: “كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته”.
كيف نتعامل مع هذا الحديث في واقعنا؟ (رسالة عملية)
هذا الحديث النبوي ليس مجرد معجزة غيبية لنقرأها ونتعجب منها فحسب، بل هو جرس إنذار لكل أسرة مسلمة. الإسلام لا يحرم التمتع بنعم الله كاستخدام السيارات والمراكب المريحة، ولكنه يحذرنا من البطر والغرور ونسيان جوهر الدين. الواجب علينا اليوم أن نعمر مساجدنا بالصلاة الخاشعة التي تُهذب النفوس، وأن نترجم هذه الصلاة إلى حُسن خلق ورعاية واهتمام بأهل بيتنا، فنعين نساءنا وبناتنا على الستر والحشمة بالكلمة الطيبة، والقدوة الحسنة، والتربية الصالحة، لنحمي أنفسنا وأهلينا من فتن هذا الزمان.
خاتمة تفتح باب الأمل (رسالة تفاؤل)
رغم أن الحديث يصف واقعاً مؤلماً نعيشه، وقد يشعر المسلم بالخوف أو الإحباط عند قراءته، إلا أنه يمثل دعوة صادقة لكل مسلم ومسلمة لتصحيح المسار. النجاة تكون بالتمسك بالصلاة الحقيقية التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وبإحياء الحياء والستر في بيوتنا، فمن اعتصم بالله وحافظ على طهارة بيته كان من الناجين بإذن الله، مصداقاً لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}.
المصادر والمراجع
مصادر متن الحديث
١ –المستدرك على الصحيحين للحاكم: ٤/ ٤٨٣ الحديث رقم: ٨٣٤٦
٢ –مسند أحمد بن حنبل: ١١/ ٦٥٤ الحديث رقم: ٧٠٨٣
٣ -صحيح ابن حبان: ٦/ ٧٩ الحديث رقم: ٤٩١١
٤ -المعجم الكبير للطبراني: ١٣/ ٦٣ الحديث رقم: ١٥٦
٥ -المخلصيات وأجزاء أخرى لأبي طاهر المخَلِّص: ٢/ ٥٣ -٥٤ الحديث رقم: ١٠١٤
………..
مصادر شرح الحديث والحكم عليه
١ -إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض: ٦/ ٥٦٦ -٥٦٧
٢ -المعلم بفوائد مسلم للمازري: ٣/ ١٢٤
٣ -المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي: ٥/ ٣٨٩ -٣٩٠
٤ -المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي: ١٤ /٣٣
٥ -النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: ٢/ ٤٠٩
٦ -بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني للساعاتي: ١٧/ ٣١ -٣٠٢
٧ -سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها للألباني: ٦/ ٤١٤ -٤١٦
٨ -صحيح الترغيب والترهيب للألباني: ٢/ ٤٦٢
٩ -طرح التثريب في شرح التقريب للعراقي: ٣/ ٢٢٩ -٢٣١
١٠ -فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر: ١٠/ ٣٠٧
١١ -فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب الحنبلي: ٢/ ٤٣٧
١٢ -كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي: ١/ ٢١٣، ٢/ ٢٣٨
١٣ -مطالع الأنوار على صحاح الآثار لابن قرقول: ٦/ ١٧١ -١٧٢
١٤ -موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للهيثمي: ٤/ ٤٤٩
