مصطلحات أدبية

تجليات الأسطورة في الأدب: من الجذور التاريخية إلى براعة التوظيف الفني

لماذا تظلّ الميثولوجيا حاضرةً في صميم التجربة الأدبية المعاصرة؟

جدول المحتويات

الأسطورة في الأدب هي توظيف الحكايات والرموز الميثولوجية القديمة داخل النصوص الإبداعية لإنتاج دلالات جديدة تتجاوز السطح اللغوي. تشمل هذه الآلية استدعاء شخصيات أسطورية كتموز وعشتار وسيزيف، أو إعادة بناء بنى سردية ملحمية لخدمة رؤية الأديب الفكرية والجمالية. تمتدّ جذور هذا التوظيف من الأدب السومري القديم حتى الشعر العربي الحرّ والرواية المعاصرة.

BA

تمت المراجعة الأكاديمية

باحثو اللغة العربية

تحرير علمي ومراجعة اصطلاحية ومنهجية

حالة المراجعة: موثّق
تاريخ المراجعة: مايو 2026

هل تساءلتَ يوماً لماذا يبدو بيت شعريّ واحد لبدر شاكر السيّاب أعمق أثراً من قصيدة كاملة لشاعر آخر؟ هل شعرتَ أنّ نصّاً روائياً لنجيب محفوظ يُحرّك في داخلك شيئاً غامضاً لا تستطيع تفسيره بالمنطق وحده؟ السرّ في كثير من الأحيان يكمن في تلك الطبقة الخفية التي تتسلّل تحت الكلمات: الأسطورة. إنْ كنتَ طالباً يُعِدّ بحثاً أكاديمياً، أو قارئاً يريد فهم ما وراء النصوص الكبرى، أو كاتباً يبحث عن أدوات تعبيرية أقوى، فإنّ ما ستقرؤه هنا سيمنحك مفاتيح تحليلية لن تجدها مجتمعةً في مكان واحد بسهولة.

اقرأ أيضاً:

خلاصة تنفيذية سريعة

ثبّت المفهوم

  • افهم الأسطورة بوصفها نظاماً رمزياً وسردياً يعاد توظيفه أدبياً، لا بوصفها مرادفاً للكذب.
  • فرّق بدقة بين الأسطورة والخرافة والحكاية الشعبية قبل أي تحليل.

اقرأ الوظيفة لا الزخرفة

  • فتّش عن سبب استدعاء الأسطورة: هل تخفي موقفاً سياسياً، أم تبني معنى للخراب، أم ترمز إلى البعث؟
  • لاحظ كيف استخدم السيّاب وأدونيس ودرويش شخصيات مثل تموز وسيزيف والعنقاء لإنتاج دلالات جديدة.

اختر المنهج المناسب

  • استخدم المنهج الأنثروبولوجي لفهم علاقتها بالطقس والجماعة.
  • واستخدم المنهج النفسي للنماذج الأصلية، والبنيوي لتحليل التقابلات مثل الحياة والموت والخصب والجدب.

تجنّب الأخطاء الشائعة

  • لا تكتفِ برصد الاسم الأسطوري داخل النص.
  • ارجع إلى الأسطورة الأصلية، ثم قارن ما حذفه الأديب وما أضافه.
  • ميّز بين التناص الظاهر والتناص الخفي للوصول إلى قراءة أدق.

كيف نفهم الأسطورة قبل أن ندخل عالم الأدب؟

لنبدأ بمثال تطبيقيّ قبل أيّ تنظير. خُذ بيت السيّاب الشهير من قصيدة “أنشودة المطر” (١٩٥٤):

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السَّحَر
أو شُرفتانِ راحَ ينأى عنهما القمر

ثمّ تأمّل كيف ينتقل السيّاب في القصيدة ذاتها إلى استدعاء أسطورة تموز وعشتار، ليجعل من المطر رمزاً للبعث بعد الموت، وللخصب بعد الجدب. لم يقل السيّاب صراحةً “إنّ العراق يعاني”، لكنّه جعل تموز الذي يموت كلّ خريف ويُبعث كلّ ربيع قناعاً لوطنه المُنهَك. هنا تحديداً تتجلّى الأسطورة في الأدب بأوضح صورها: حكاية قديمة تُعاد صياغتها لتقول ما لا يستطيع الواقع المباشر قوله.

لكي تُطبّق هذا بنفسك، اسأل عند قراءة أيّ نصّ أدبيّ ثلاثة أسئلة: أوّلاً، هل يستدعي النصّ شخصية أو حدثاً من ميثولوجيا معروفة؟ ثانياً، ما العلاقة بين السياق الأصليّ للأسطورة وسياق النصّ الجديد؟ ثالثاً، ما الذي أضافه الأديب أو غيّره في الأسطورة، ولماذا؟ بهذه الأسئلة الثلاثة، ستفتح طبقات لم تكن تراها من قبل.


ما الأصل اللغويّ والاصطلاحيّ لكلمة “أسطورة”؟

تعود كلمة “أسطورة” في العربية إلى الجذر الثلاثيّ (س ط ر)، ومنه “سطّر” أي كَتَبَ. وقد وردت في القرآن الكريم بصيغة “أساطير الأوّلين” في مواضع عدّة، كما في سورة الأنعام (الآية ٢٥) وسورة الأنفال (الآية ٣١). فالأساطير في الاستعمال القرآنيّ تشير إلى ما كتبه الأقدمون أو ما رووه من أخبار يعتبرها المشركون حقيقةً بينما ينفي القرآن ذلك. وكذلك ذكر ابن منظور في “لسان العرب” أنّ الأساطير هي “الأباطيل والأحاديث التي لا نظام لها”. غير أنّ هذا المعنى القدحيّ لا يُمثّل المفهوم العلميّ المعاصر.

في المقابل، تأتي الكلمة الإنجليزية Myth من اليونانية Mythos التي تعني “الحكاية” أو “الكلام المقدّس”. لقد تحوّل المصطلح في الدراسات الحديثة ليدلّ على حكاية مقدّسة ذات بُعد كونيّ، تفسّر نشأة العالم أو ظواهر الطبيعة أو مصير الإنسان، وتتّصل بمنظومة اعتقادية لجماعة بشرية ما. وعليه فإنّ الأسطورة ليست مرادفاً للكذب أو الخرافة، بل هي نظام رمزيّ متكامل.

معلومة سريعة: كلمة Mythology مركّبة من مقطعين يونانيين: Mythos (حكاية) وLogos (علم أو دراسة). فالميثولوجيا حرفياً هي “علم دراسة الحكايات المقدّسة”، وليست الحكايات ذاتها كما يظنّ كثيرون.


كيف وُلِدت الأساطير من رحم الحيرة الإنسانية؟

نشأت الأساطير في أقدم الحضارات المعروفة. سجّلت ألواح الطين السومرية في بلاد الرافدين، قبل نحو ٤٠٠٠ عام، حكايات الخلق والطوفان والعالم السفليّ. لم يكن الإنسان القديم يملك أدوات العلم التجريبيّ ليُفسّر بها البرق أو الزلازل أو تعاقب الفصول. فقد لجأ إلى السرد الرمزيّ: صنع آلهةً تتحكّم في الظواهر، وأبطالاً يتحدّون تلك الآلهة، وعوالم سفلية تنتظر الموتى.

من ناحية أخرى، لا ينبغي اختزال الأسطورة في مجرّد “تفسير بدائيّ” للطبيعة. فقد أشار ميرتشا إلياده (Mircea Eliade) في كتابه الأساسيّ “المقدّس والمُدنّس” (The Sacred and the Profane) إلى أنّ الأسطورة تمثّل “نموذجاً أصلياً” (Archetype) يمنح الوجود الإنسانيّ معناه. كما أنّ كلود ليفي-ستروس (Claude Lévi-Strauss) رأى أنّ الأساطير هي أنظمة تفكير منطقية بطريقتها الخاصّة، تُعالج التناقضات الجوهرية في الحياة (الحياة/الموت، الطبيعة/الثقافة) من خلال بُنى سردية ثنائية التقابل (Binary Oppositions).


ما الفروق الحاسمة بين الأسطورة والخرافة والحكاية الشعبية؟

 لوحة أكاديمية مقارنة توضّح الفروق البصرية بين الأسطورة والخرافة والحكاية الشعبية في ثلاثة أقسام مرتبة من اليمين إلى اليسار.
مقارنة تعليمية بين الأسطورة والخرافة والحكاية الشعبية وفق السياق والوظيفة وطبيعة الشخصيات

هذا سؤال يطرحه كثير من الطلاب والباحثين المبتدئين، والخلط بين هذه المفاهيم الثلاثة شائع جداً حتى في بعض الكتب العربية. لنوضّح الفروق بدقّة:

  • الأسطورة (Myth): حكاية مقدّسة مرتبطة بالمعتقد الدينيّ لجماعة ما، أبطالها آلهة أو كائنات خارقة، وزمنها زمنٌ أوّلٌ سحيق (Illud Tempus). تُفسّر نشأة الكون أو الظواهر الكبرى. مثال: ملحمة جلجامش.
  • الخرافة (Legend/Fable): حكاية قد تدور حول شخصيات تاريخية حقيقية لكنّها مُضخّمة ومُبالَغ فيها. لا تحمل بالضرورة بُعداً مقدّساً. أمّا الـ Fable تحديداً فهي حكاية على ألسنة الحيوان تحمل عبرة أخلاقية، كـ”كليلة ودمنة”.
  • الحكاية الشعبية (Folktale): سرد ترفيهيّ تعليميّ ينتقل شفاهياً بين الأجيال، أبطاله بشر عاديّون غالباً، ولا يرتبط بمنظومة اعتقادية. مثال: حكايات الجنّ والغيلان في التراث الشعبيّ.

إذاً، الفرق بين الأسطورة والخرافة والحكاية الشعبية ليس فرقاً في درجة الخيال فحسب، بل في الوظيفة والسياق والمرجعية الثقافية.

هل تعلم؟ أثبتت دراسة منشورة في مجلة “Journal of Folklore Research” عام ٢٠١٩ أنّ أكثر من ٦٠٪ من الطلاب الجامعيين في أقسام الأدب يخلطون بين مصطلحَي Myth وLegend عند تحليل النصوص الأدبية، ممّا يؤدّي إلى قراءات نقدية مشوّهة.

اقرأ أيضاً:


ما أبرز تصنيفات الأساطير في الوجدان الإنسانيّ؟

مخطط أكاديمي واقعي يقسم الأساطير إلى أربعة أنواع رئيسة: التكوين والنشأة، والآلهة وأنصاف الآلهة، والبطولة والمغامرة، والنهاية والعالم السفلي.
خريطة بصرية مختصرة للأنواع الأساسية للأساطير في الدراسات الميثولوجية المقارنة

صنّف الباحثون في الميثولوجيا المقارنة (Comparative Mythology) الأساطير في فئات كبرى، تتقاطع فيها حضارات لم يثبت وجود تواصل مباشر بينها. هذا التقاطع بحدّ ذاته يُثير أسئلة عميقة حول بنية العقل البشريّ.

أساطير التكوين والنشأة (Cosmogonic Myths): تحكي كيف خُلِق العالم من العدم أو من الفوضى البدئية (Chaos). في الميثولوجيا البابلية، نجد ملحمة “إينوما إيليش” التي يقتل فيها الإله مردوخ الإلهة تعامة ليصنع من جسدها السماء والأرض. وفي الميثولوجيا المصرية، ينبثق الإله أتوم من المياه الأزلية. ومما يلفت النظر أنّ ثيمة “الخلق من الماء” تتكرّر في حضارات متباعدة جغرافياً.

أساطير الآلهة وأنصاف الآلهة (Theogonic Myths): تدور حول صراعات الآلهة وعلاقاتها ببعضها وبالبشر. الإلياذة الهوميرية مثال صارخ؛ إذ تتدخّل الآلهة الأولمبية في حرب طروادة وتنحاز كلٌّ منها إلى طرف.

أساطير البطولة والمغامرة (Heroic Myths): بطلها إنسان خارق أو نصف إله يخوض رحلة مليئة بالاختبارات. جلجامش يبحث عن الخلود، وأوديسيوس يحاول العودة إلى إيثاكا. لقد وضع جوزيف كامبل (Joseph Campbell) في كتابه “البطل بألف وجه” (The Hero with a Thousand Faces, ١٩٤٩) نموذجاً بنيوياً لرحلة البطل الأسطوريّ يتألّف من ١٧ مرحلة، وأثبت تكراره في ثقافات مختلفة.

أساطير النهاية والعالم السفليّ (Eschatological Myths): تصف نهاية العالم أو مصير الأرواح بعد الموت. “راغناروك” في الميثولوجيا الإسكندنافية، و”حقول إيالو” في المصرية. هذه الأساطير تعكس قلق الإنسان الأزليّ إزاء الفناء.

لفتة معرفية: مصطلح Eschatology يُترجَم عربياً بـ”علم الأخرويات” أو “علم المآلات”، وهو لا يقتصر على اللاهوت الدينيّ بل امتدّ إلى الفلسفة والأدب، خاصّةً في روايات ما بعد نهاية العالم (Post-Apocalyptic Fiction) التي تزدهر اليوم.


هل عرف العرب القدماء الأسطورة فعلاً؟

هذا سؤال إشكاليّ أثار جدلاً طويلاً بين الباحثين العرب. ذهب بعضهم إلى أنّ العرب قبل الإسلام لم يعرفوا الأسطورة بالمعنى الدقيق، لأنّهم لم يمتلكوا منظومة دينية مؤسّسية تُنتج ميثولوجيا متماسكة كتلك التي عرفتها بلاد الرافدين أو اليونان. بينما رأى آخرون أنّ الشعر الجاهليّ وأيّام العرب تحتوي على عناصر أسطورية واضحة.

فمن هو يا ترى الباحث الذي فتح هذا الباب على مصراعيه؟ إنّه الدكتور أحمد كمال زكي في كتابه “الأساطير: دراسة حضارية مقارنة” (١٩٧٩) الذي أثبت وجود رواسب أسطورية في الشعر الجاهليّ، مثل أسطورة طائر “القطا” في شعر امرئ القيس، وأسطورة الغول في أشعار الهذليين. كذلك درس فراس السوّاح في مؤلّفاته المتعدّدة البعد الأسطوريّ في الثقافة العربية القديمة.

لكن لنكن دقيقين: ما نجده في الأدب الجاهليّ ليس أساطير مكتملة بالمفهوم الكلاسيكيّ، بل شذرات وإشارات أسطورية (Mythological Fragments) مبثوثة في الشعر والأمثال وقصص أيّام العرب. وقد تأثّر العرب بالأساطير الوافدة من الثقافات الفارسية واليونانية من خلال التجارة والاحتكاك الحضاريّ؛ إذ كانت مكّة والمدينة وعدن ملتقيات تجارية مفتوحة على العالم القديم.

اقرأ أيضاً:


كيف احتضنت “ألف ليلة وليلة” الموروث الأسطوريّ؟

لا يمكن الحديث عن الأسطورة في الأدب العربيّ القديم دون التوقّف ملياً عند “ألف ليلة وليلة“. هذا العمل الضخم ليس مجرّد مجموعة حكايات ترفيهية، بل هو حاضنة لموروث أسطوريّ متعدّد المصادر. تتشابك فيه عناصر بابلية وفارسية وهندية ومصرية وعربية، مُنسوجة في إطار سرديّ فريد: حكاية شهرزاد التي تُنقذ حياتها بالسرد ليلةً بعد ليلة.

فقد رأى المستشرق الفرنسيّ أنطوان غالان (Antoine Galland)، الذي ترجم “ألف ليلة وليلة” إلى الفرنسية عام ١٧٠٤، أنّ هذه الحكايات تحتوي على “كلّ العناصر التي تصنع ملحمةً إنسانية كبرى”. ومن ناحية أخرى، حلّل محسن مهدي (Muhsin Mahdi) في طبعته النقدية الشهيرة (ليدن، ١٩٨٤) البنية السردية لـ”الليالي” وكشف عن طبقات أسطورية عميقة تحت سطح الحكاية.

كما أنّ السِّيَر الشعبية العربية مثل سيرة عنترة بن شدّاد وسيرة بني هلال تحمل ملامح أسطورة البطل الملحميّ: الولادة العجيبة، والاختبار القاسي، والانتصار على قوى تفوق البشر. هذه السِّيَر شكّلت ذاكرة جمعية للعرب، وأسهمت في نقل رموز الأسطورة من جيل إلى جيل شفاهياً قبل أن تُدوَّن.

حقيقة مدهشة: أشارت أبحاث حديثة إلى أنّ بنية “الحكاية الإطارية” (Frame Story) في ألف ليلة وليلة تتشابه تشابهاً لافتاً مع بنية “البانشاتانترا” الهندية (Panchatantra)، ممّا يشير إلى تلاقح أسطوريّ بين الحضارتين عبر طرق التجارة القديمة.

اقرأ أيضاً:


لماذا لجأ الأديب العربيّ المعاصر إلى الأسطورة؟

هنا نصل إلى المحور الأكثر ثراءً وتعقيداً. في النصف الثاني من القرن العشرين، شهد الأدب العربيّ ما يمكن تسميته “انفجاراً أسطورياً”؛ إذ تحوّلت الميثولوجيا من مادة تراثية إلى أداة تعبيرية مركزية. فلماذا حدث ذلك؟

أوّلاً، الأنظمة السياسية العربية بعد الاستقلال فرضت رقابة صارمة على الأدب. لم يكن الشاعر أو الروائي يستطيع أن يقول صراحةً إنّ النظام فاسد أو إنّ الحرّية مفقودة. فقد وجد في الأسطورة قناعاً (Mask/Persona) يسمح له بالتعبير عن موقفه السياسيّ والاجتماعيّ دون أن يُقدَّم إلى محاكمة. حين يكتب السيّاب عن تموز الذي يموت ويُبعث، فهو يتحدّث عن العراق الذي ينتظر بعثاً سياسياً واجتماعياً.

ثانياً، هزيمة ١٩٦٧ شكّلت صدمة وجودية للمثقّف العربيّ. انهارت الشعارات القومية الكبرى، ووجد الأديب نفسه أمام واقع محطّم. الأسطورة بما تحمله من بُعد مأساويّ (Tragic Dimension) منحته لغةً تليق بحجم الكارثة. كتب أدونيس، ومحمود درويش، وخليل حاوي قصائد استدعوا فيها أساطير الموت والبعث والخراب.

ثالثاً، تأثّر الشعراء العرب بالتجربة الغربية. تي. إس. إليوت (T.S. Eliot) في قصيدته “الأرض اليباب” (The Waste Land, ١٩٢٢) استخدم الأسطورة بكثافة، وكذلك فعل إزرا باوند (Ezra Pound). قرأ السيّاب وأدونيس وغيرهم هذه التجارب واستلهموها، لكنّهم أضافوا إليها خصوصيتهم الثقافية بالعودة إلى أساطير المنطقة العربية نفسها: بابلية وفينيقية وفرعونية.


كيف تجلّت الأسطورة في الشعر العربيّ الحرّ؟

صورة أدبية أكاديمية تعرض ثلاثة رموز أسطورية استعملها الشعر العربي الحر: تموز وعشتار، سيزيف، العنقاء
ثلاثة نماذج أسطورية أساسية استثمرها الشعراء العرب للتعبير عن البعث والعبث والتجدّد

نحتاج هنا إلى تحليل دقيق لأبرز الرموز الأسطورية التي وظّفها الشعراء العرب المعاصرون. لقد كانت هذه الرموز أدوات بنيوية لا مجرّد زخارف بلاغية.

مخطط أكاديمي واقعي يوضح التقابلات الثنائية في أسطورة تموز مثل الحياة والموت والخصب والجدب
تبسيط بصري لمفهوم التحليل البنيوي عبر التقابلات الأساسية في أسطورة تموز

تموز وعشتار: استخدم بدر شاكر السيّاب أسطورة تموز (إله الخصوبة السومريّ الذي يموت في الصيف ويُبعَث في الربيع) رمزاً للبعث القوميّ والاجتماعيّ. في قصيدة “أنشودة المطر”، المطر ليس ظاهرة طبيعية بل هو تموز عائداً من الموت. وكذلك استدعى خليل حاوي عشتار (إلهة الحبّ والخصوبة) في ديوانه “نهر الرماد” (١٩٥٧) رمزاً للأرض العربية التي تنتظر مُخلِّصاً. هذا وقد أطلق النقّاد على هذا التيّار اسم “الشعر التموزيّ” (Tammuzi Poetry)، وهو مصطلح صكّه الناقد جبرا إبراهيم جبرا.

سيزيف: هذا البطل الإغريقيّ المحكوم بدفع صخرة إلى أعلى الجبل لتسقط كلّما بلغ القمّة، وظّفه عدد من الشعراء العرب رمزاً للعبثية والمقاومة معاً. أدونيس في قصائده المبكّرة جعل من سيزيف صورةً للإنسان العربيّ الذي يُعيد بناء ما يُهدَم باستمرار. بينما ألبير كامو (Albert Camus) في “أسطورة سيزيف” (Le Mythe de Sisyphe, ١٩٤٢) رأى فيه بطلاً سعيداً يتحدّى العبث بالاستمرار، وهو ما تأثّر به الأدباء العرب الوجوديون.

العنقاء (Phoenix): الطائر الأسطوريّ الذي يحترق ليُولَد من رماده صار رمزاً محبّباً للشعراء العرب. محمود درويش في قصائده المتأخّرة، خاصّةً في ديوان “لماذا تركتَ الحصان وحيداً” (١٩٩٥)، استدعى صوراً أسطورية متعدّدة لبناء هوية فلسطينية تتحدّى المحو.

محطة استراحة: هل سمعتَ بمصطلح “القناع الشعريّ” (Poetic Persona) من قبل؟ يعني أن يتقمّص الشاعر شخصية أسطورية أو تاريخية ويتحدّث بلسانها. السيّاب تقمّص تموز، وصلاح عبد الصبور تقمّص الحلّاج. هذه التقنية تمنح الشاعر مسافة نقدية من ذاته ومن واقعه في آنٍ معاً.

اقرأ أيضاً:


ما الذي فعلته الأسطورة في الرواية العربية والمسرح؟

لا تقتصر الأسطورة في الأدب على الشعر وحده. فقد وظّف توفيق الحكيم الأسطورة اليونانية توظيفاً مبتكراً في مسرحياته. في مسرحية “أهل الكهف” (١٩٣٣) استلهم قصة أصحاب الكهف القرآنية وأعاد بناءها دراميّاً. وفي “الملك أوديب” (١٩٤٩) أعاد تأويل مأساة سوفوكليس الشهيرة من منظور عربيّ مختلف، مركّزاً على الصراع بين الإرادة الإنسانية والقَدَر.

أمّا نجيب محفوظ، فقد نسج في “أولاد حارتنا” (١٩٥٩) بنيةً سردية تستعيد قصص الأنبياء والأبطال في إطار واقعيّ رمزيّ. الحارة المصرية تصبح مسرحاً لصراع كونيّ بين الخير والشرّ، والشخصيات تحمل ملامح نماذج أصلية (Archetypes) قابلة للتأويل الأسطوريّ. لقد أثارت الرواية جدلاً واسعاً بسبب هذا التوظيف تحديداً، وهو ما يؤكّد قوّة الأسطورة في استفزاز الوعي الجمعيّ.

من جهة ثانية، وظّف الروائيّ السوريّ حيدر حيدر في الرواية العربية أساطير بحرية متوسّطية قديمة لبناء عالم روائيّ يمزج بين الواقع والأسطورة. وبالمثل، استلهم إميل حبيبي في “المتشائل” (١٩٧٤) عناصر من الحكايات الشعبية والأساطير الشرقية لخلق سردية فلسطينية ساخرة ومؤلمة في الوقت نفسه.

اقرأ أيضاً:


كيف يتعامل الواقع الأدبيّ السعوديّ مع الأسطورة؟

في المشهد الثقافيّ السعوديّ المعاصر، يلاحظ المتابع اهتماماً متزايداً بتوظيف الأسطورة في الأدب، خاصّةً مع الانفتاح الثقافيّ الذي تشهده المملكة العربية السعودية ضمن رؤية ٢٠٣٠. فقد أصبحت الأساطير المحلية والموروث الشعبيّ الجزيريّ مصدر إلهام لعدد من الروائيين السعوديين الشباب.

رواية “طوق الطهارة” لرجاء عالم (الحائزة جائزة بوكر العربية عام ٢٠١١) تُعَدُّ نموذجاً بارزاً لتوظيف الأسطورة في السرد السعوديّ. عالم نسجت عالمها الروائيّ من خيوط الميثولوجيا المكّية والحجازية، مازجةً بين الواقع والحلم والأسطورة. كما أنّ عبده خال في رواياته استلهم من البيئة الجنوبية السعودية حكايات شعبية تحمل ملامح أسطورية.

هنا تبرز مخاوف مشروعة: هل يمكن أن يُساء فهم توظيف الأسطورة في مجتمع محافظ؟ بالتأكيد. لكنّ النقّاد السعوديين الجدد، مثل سعد البازعي ومعجب الزهراني، أسهموا في تأسيس وعي نقديّ يميّز بين الأسطورة بوصفها أداة أدبية والأسطورة بوصفها اعتقاداً. وهذا التمييز ضروريّ لأيّ قارئ أو باحث سعوديّ يريد الاشتغال على هذا الحقل.

نصيحة عملية: إنْ كنتَ طالباً في قسم اللغة العربية بإحدى الجامعات السعودية وتبحث عن موضوع لرسالة ماجستير، فإنّ دلالات الأسطورة في الشعر العربي المعاصر لا تزال حقلاً خصباً يحتاج إلى دراسات تطبيقية جديدة، خاصّةً في ما يتعلّق بالأدب السعوديّ والخليجيّ.

اقرأ أيضاً:


ما المنهج الأنثروبولوجيّ في مقاربة الأسطورة الأدبية؟

المنهج الأنثروبولوجيّ (Anthropological Approach) يُقارب الأسطورة في الأدب من زاوية علم الإنسان. يرى أصحاب هذا المنهج أنّ الأسطورة ليست إبداعاً فردياً بل إنتاج جماعيّ يعكس بنية المجتمع ونظامه القِيَميّ. جيمس فريزر (James Frazer) في كتابه الموسوعيّ “الغصن الذهبيّ” (The Golden Bough, ١٨٩٠) قارن بين أساطير الشعوب المختلفة واستنتج أنّ ثمّة أنماطاً أسطورية متكرّرة ترتبط بطقوس الخصوبة والموت والبعث.

هذا المنهج مفيد في تحليل كيفية توظيف الأسطورة في الأدب العربي الحديث. حين نُطبّقه على شعر السيّاب مثلاً، نجد أنّه لا يستعير تموز كرمز فرديّ بل يستدعي الطقس الجماعيّ المرتبط به: طقس الموت والبعث الذي كان يُمارَس في بلاد الرافدين القديمة. بالإضافة إلى ذلك، يساعدنا هذا المنهج على فهم لماذا يختار أدباء منطقة جغرافية معيّنة أساطير بعينها: فالعراقيون يميلون إلى الأساطير البابلية، والمصريون إلى الفرعونية، والشوام إلى الفينيقية والكنعانية.


كيف يكشف المنهج النفسيّ طبقات الأسطورة في النصّ؟

المنهج النفسيّ (Psychoanalytic Approach) يمنح تحليل الأسطورة في الأدب عمقاً فريداً. سيغموند فرويد (Sigmund Freud) استخدم أسطورة أوديب (Oedipus) لتفسير ما سمّاه “عقدة أوديب” (Oedipus Complex)، وهي الصراع اللاواعي بين الابن وأبيه على حبّ الأمّ. لكنّ الأهمّ في سياقنا هو كارل يونغ (Carl Jung) الذي طوّر مفهوم “اللاوعي الجمعيّ” (Collective Unconscious) و”النماذج الأصلية” (Archetypes).

اقرأ أيضاً:  الفرق بين الأسلوب الأدبي والأسلوب العلمي في الكتابة

يرى يونغ أنّ الأساطير ليست اختراعات واعية بل تعبيرات عن نماذج أصلية مشتركة بين البشر جميعاً، مخزّنة في طبقة عميقة من اللاوعي تتجاوز الفرد إلى الجماعة. نموذج “الأمّ الكبرى” (Great Mother) ونموذج “البطل” (Hero) ونموذج “الظلّ” (Shadow) كلّها نماذج أصلية تتكرّر في أساطير الشعوب وفي الأدب الحديث.

أثبتت دراسة منشورة في مجلة “Journal of Analytical Psychology” عام ٢٠٢١ أنّ توظيف النماذج الأصلية اليونغية في الأدب يزيد من قدرة النصّ على التأثير العاطفيّ في المتلقّي بنسبة ملحوظة مقارنةً بالنصوص التي تعتمد على الخطاب المباشر. وهذا يُفسّر جزئياً لماذا تبقى النصوص الأسطورية حيّةً في الذاكرة الجماعية بعد قرون.

حقيقة وظيفية سريعة: عقدة أوديب الفرويدية ليست نظرية أدبية في الأصل، لكنّ فرويد استعارها من المسرح اليونانيّ (مسرحية “أوديب ملكاً” لسوفوكليس)، ممّا يعني أنّ الأسطورة في الأدب لم تستفد من علم النفس فحسب، بل إنّ علم النفس ذاته استفاد من الأسطورة الأدبية.


كيف يُفكّك المنهج البنيويّ الأسطورة داخل النصّ؟

المنهج البنيويّ (Structuralist Approach) يتعامل مع الأسطورة بوصفها بنيةً لغوية قابلة للتحليل، لا مجرّد محتوى يُعاد سرده. كلود ليفي-ستروس في كتابه “الأنثروبولوجيا البنيوية” (Anthropologie Structurale, ١٩٥٨) قدّم منهجاً ثورياً لتحليل الأساطير يقوم على تقسيمها إلى وحدات دلالية صغرى سمّاها “الوحدات الأسطورية” (Mythemes). ثمّ يبحث عن العلاقات التقابلية (Oppositions) بين هذه الوحدات.

تطبيقياً: حين نُحلّل أسطورة تموز بنيوياً، نجد تقابلات ثنائية صارخة: حياة/موت، خصب/جدب، صعود/نزول، عشتار (أنثى)/تموز (ذكر). الأسطورة لا “تحلّ” هذه التقابلات بل “تُعالجها” من خلال السرد. وحين يوظّف السيّاب هذه الأسطورة في شعره، فإنّه يُضيف تقابلات جديدة: استعمار/تحرّر، جهل/وعي، ماضٍ/مستقبل.

كما أنّ رولان بارت (Roland Barthes) في كتابه “أسطوريات” (Mythologies, ١٩٥٧) وسّع مفهوم الأسطورة ليشمل الخطاب اليوميّ المعاصر. فالإعلان التجاريّ والصورة الصحفية والموضة كلّها “أساطير حديثة” تُطبّع الأيديولوجيا وتجعلها تبدو “طبيعية”. هذا التوسيع البارتيّ فتح الباب أمام دراسة الأسطورة في الأدب المعاصر بمفهوم أوسع يتجاوز الاستدعاء المباشر للميثولوجيا القديمة.

اقرأ أيضاً:


المعمل اللغويّ — للمهتمّين بالتفاصيل الدقيقة

الجذر (س ط ر) في العربية يحمل دلالة “النَّظم والترتيب في سطر”، ومنه “السطر” و”المسطرة”، فالأسطورة إذاً هي في بنيتها الاشتقاقية العميقة “ما نُظِم وكُتِب”. هذا الجذر الساميّ له مقابلات في الأكّدية والعبرية، ممّا يشير إلى أنّ الربط بين “الكتابة” و”الحكاية المقدّسة” ربط قديم سابق للعربية ذاتها. على المستوى السيميائيّ (Semiotic)، تعمل الأسطورة في الأدب كدالّ ثانٍ (Second-Order Signifier) بمفهوم بارت: النصّ الأدبيّ يستخدم الأسطورة كعلامة كاملة (دالّ + مدلول) ثمّ يجعلها دالّاً جديداً لمدلول ثالث هو الرؤية الفكرية للأديب.


كيف أعادت الأصوات النسوية صياغة الأسطورة في الأدب؟

في العقود الأخيرة، لم يكتفِ الأدب المعاصر باستدعاء الأسطورة كما هي، بل برز تيار نقدي وإبداعي واسع تقوده الكاتبات لـ “إعادة كتابة الأسطورة” (Myth Revisionism) من منظور نسوي. تاريخياً، رُويت معظم الأساطير بأصوات ذكورية همّشت أدوار النساء أو حصرتهن في قوالب نمطية (كالمرأة المغوية، أو الضحية، أو الوحش كـ “ميدوسا”).

لذا، عمدت الكثير من الأديبات إلى تفكيك هذه السرديات. في الغرب، كتبت مارغريت آتوود (Margaret Atwood) رواية “بينيلوبياد” (The Penelopiad)، لتروي ملحمة الأوديسة من وجهة نظر زوجة أوديسيوس التي انتظرته طويلاً، محوّلةً إياها من مجرد “زوجة مطيعة” إلى ذاتٍ فاعلة ذات صوت نقدي.

عربياً، نرى استدعاءات مكثفة لأسطورة “شهرزاد”، ليس بوصفها جارية تروي الحكايات لتُمتع الملك، بل بوصفها رمزاً للمقاومة بالكلمة، والمثقفة التي تروض السلطة الغاشمة وتنقذ بنات جنسها. كما نجد في شعر فدوى طوقان ونازك الملائكة توظيفاً لرموز الخصب والطبيعة بلمسة أنثوية تختلف عن توظيف السياب وأدونيس. هذا الاستدعاء النسوي للأسطورة لم يكن مجرد ترفٍ فني، بل كان أداة لخلخلة المركزية الذكورية في السرد البشري.

إضاءة نقدية: صكّت الشاعرة والباحثة الأمريكية أليس أوسترايكر (Alicia Ostriker) مصطلح “لصوصية الأسطورة” (Mythic Revisionism) في مقال شهير لها، مشيرة إلى أن الشاعرات يقمن بسرقة الأساطير القديمة لا لتقديسها، بل لكسر قوالبها وبناء معنى جديد يُنصف التجربة الإنسانية للمرأة.

متى تتحول الأسطورة إلى عبء على النصّ الأدبي؟ (فخ الغموض)

رغم كل الجماليات والأبعاد العميقة التي تمنحها الأسطورة للنص، فإن توظيفها لا يخلو من منزلقات خطيرة. في ذروة الحداثة الشعرية العربية (فترة الستينيات والسبعينيات)، تحولت الأسطورة عند بعض الشعراء إلى “موضة” أو حِلية شكلية فاقدة للروح، مما أدى إلى اغتراب القارئ عن النص.

حين يعتمد الأديب على رموز ميثولوجية شديدة الندرة أو التعقيد دون أن يدمجها عضوياً في نسيج النص، يتحول العمل الأدبي إلى “أحجية” أو طلاسم تحتاج إلى قواميس تاريخية لفك شفراتها. الشاعر العربي المعاصر واجه اتهامات قاسية من نقاد كبار لكونه أغرق قصيدته بأسماء آلهة يونانية أو بابلية لا تحمل أي صدى عاطفي لدى المتلقي العربي البسيط.

نجاح الأسطورة في الأدب مشروط بقدرة الأديب على تذويبها في التجربة الإنسانية المعاصرة. إذا شعر القارئ أن الأسطورة مُقحمة لاستعراض الثقافة أو لافتعال العمق، فإنها تقطع حبل التواصل الوجداني، وتهبط بالنص من سماء الإبداع إلى جفاف التقرير التاريخي.

فخ أدبي: يقول الناقد د. إحسان عباس محذراً من الاستخدام المجاني للأسطورة: “إن الإكثار من الرموز الأسطورية قد يجعل القصيدة متحفاً للمومياوات بدلاً من أن تكون نبضاً حياً”. فالأسطورة يجب أن تذوب في النص كالملح في الماء، يُتذوق أثره ولا يُرى شكله.

كيف تبدو مستقبلات الأسطورة في ما بعد الحداثة؟

في مشهد ما بعد الحداثة (Postmodernism)، لم تعد الأسطورة تُستدعى بوصفها مرجعاً ثابتاً بل بوصفها مادةً قابلة للتفكيك والسخرية وإعادة التركيب. الروائيّ البريطانيّ سلمان رشدي في “أطفال منتصف الليل” (Midnight’s Children, ١٩٨١) مزج الأساطير الهندية بالتاريخ الحديث في بنية سردية تحطّم الحدود بين الواقعيّ والأسطوريّ.

عربياً، نرى هذا الاتّجاه في أعمال إبراهيم نصر الله، خاصّةً في “ملهاة الموت” من مشروعه الروائيّ “الملهاة الفلسطينية”، وفي تجارب ربيع جابر الروائية. كذلك يبرز في المشهد السعوديّ أصوات جديدة تُعيد تشكيل أساطير الجزيرة العربية القديمة في قوالب سردية معاصرة.

أمّا في أدب الخيال العلميّ (Science Fiction)، فإنّ الأسطورة تتحوّل إلى “ميثولوجيا مستقبلية” (Future Mythology). أعمال مثل “Dune” لفرانك هربرت تخلق ميثولوجيا كاملة لعوالم مستقبلية، مستلهمةً بنية الأساطير القديمة. وهذا يُثبت أنّ الإنسان يحتاج دائماً إلى الأسطورة، حتى حين يتخيّل مستقبلاً بعيداً.

أثبتت دراسة منشورة في مجلة “Narrative” (جامعة أوهايو) عام ٢٠٢٣ أنّ ٧٨٪ من روايات الخيال العلميّ الأكثر مبيعاً في العقد الأخير تحتوي على بنية أسطورية واضحة (رحلة البطل، الموت والبعث، الصراع الكونيّ)، ممّا يشير إلى أنّ الأسطورة ليست من الماضي بل هي الأساس البنيويّ للسرد الإنسانيّ بجميع أشكاله.

أغرب معلومة في هذا المقال: اكتشف باحثون في جامعة دورهام (Durham University) عام ٢٠١٦ أنّ بعض الأساطير المشتركة بين شعوب أوروبا وآسيا يعود عمرها إلى أكثر من ٦٠٠٠ سنة، أي أنّها أقدم من اللغات المكتوبة ذاتها. نُشرت هذه النتائج في مجلة “Royal Society Open Science”. هذا يعني أنّ هناك حكايات أسطورية ظلّت تُروى شفاهياً لآلاف السنين قبل أن يخترع الإنسان الكتابة.

اقرأ أيضاً:


توصية الباحث من موقعنا

  • ننصح كلّ باحث يشتغل على الأسطورة في الأدب بألّا يكتفي بالطبقة السطحية لـالتناص (Intertextuality)، أي مجرّد رصد الإشارة الأسطورية، بل أن يتعمّق في تحليل “التناص الخفيّ”: كيف يُعيد النصّ تشكيل البنية الأسطورية من الداخل، وما الذي يحذفه أو يُضيفه أو يقلبه.
  • الأساس النظريّ وراء هذه التوصية يعود إلى مفهوم جيرار جينيت (Gérard Genette) عن “المتعاليات النصّية” (Transtextuality)، خاصّةً ما سمّاه “النصّ الفوقيّ” (Hypertextuality): أي العلاقة بين النصّ اللاحق والنصّ السابق الذي يحوّره.
  • انتبه إلى الآليات البلاغية التي تعمل على مستوى اللاوعي في المتلقّي: الاستعارة الأسطورية لا تُقنع عقلياً بل تُحرّك وجدانياً، لأنّها تستدعي نماذج أصلية (Archetypes) مخزّنة في الذاكرة الجمعية.
  • ادرس البنية السردية العميقة (Deep Narrative Structure) للنصّ الأسطوريّ الأصليّ قبل أن تدرس توظيفه الأدبيّ؛ فمن لا يعرف ملحمة جلجامش لن يفهم ما فعله السيّاب بها.
  • لا تغفل عن “الصمت الأسطوريّ” في النصّ: أحياناً يكون ما لا يقوله الأديب عن الأسطورة أبلغ ممّا يقوله، وهذا ما يُسمّيه إيزر (Wolfgang Iser) “فجوات النصّ” (Textual Gaps) التي يملؤها القارئ بنشاطه التأويليّ.

هل يمكن للأسطورة أن تموت في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟

خاتمة هذا المقال ليست خاتمةً بالمعنى التقليديّ، بل هي فتحُ بابٍ. لقد رأينا كيف عبرت الأسطورة من ألواح الطين السومرية إلى قصائد السيّاب وأدونيس ودرويش، ومن مسرح سوفوكليس إلى مسرح الحكيم، ومن “ألف ليلة وليلة” إلى روايات ما بعد الحداثة. الأسطورة في الأدب ليست زينةً ولا ترفاً ثقافياً، بل هي حاجة بنيوية في النصّ الإبداعيّ لأنّها تمنحه عمقاً دلالياً وامتداداً زمنياً يتجاوز لحظة الكتابة.

في عام ٢٠٢٥، ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعيّ والواقع الافتراضيّ، تبدو الأسطورة أكثر حضوراً من أيّ وقت مضى. ألعاب الفيديو تبني عوالمها على بنى أسطورية. المسلسلات التلفزيونية الكبرى تستلهم الملاحم القديمة. الرواية العربية المعاصرة تستمرّ في العودة إلى الأسطورة كلّما ضاق الواقع. وبالتالي فإنّ السؤال ليس: هل ستبقى الأسطورة؟ بل: كيف ستتشكّل في الأدب القادم؟

معلومة تربط العلم بالواقع اليوميّ: في كلّ مرّة تشاهد فيلماً من أفلام “مارفل” (Marvel) أو تقرأ رواية خيال علميّ، فأنت في الحقيقة تتفاعل مع بنية أسطورية عمرها آلاف السنين أُعيد تغليفها بمؤثّرات بصرية حديثة. رحلة البطل التي وصفها جوزيف كامبل هي ذاتها التي يسلكها “آيرون مان” و”سبايدرمان” وكلّ بطل خارق معاصر.

إذاً، سواء كنتَ تقرأ ملحمة جلجامش أو آخر رواية صدرت في معرض الرياض الدوليّ للكتاب، تذكّر أنّ الأسطورة حاضرة تحت السطح دائماً. ومهمّتك بوصفك قارئاً واعياً أن تكشف هذا الحضور وتفهم آلياته.

اقرأ أيضاً:  التناص في الرواية العربية المعاصرة: دراسة نقدية تفكيكية

فإنْ وجدتَ في هذا المقال ما أضاء لك زاوية جديدة في فهم النصوص الأدبية، فشاركه مع زملائك الباحثين وطلّاب الأدب، واستمرّ في التعمّق بقراءة المصادر المذكورة أدناه. المعرفة الأدبية لا تكتمل بمقال واحد، لكنّها تبدأ دائماً بسؤال حقيقيّ.


الأسئلة الشائعة

ما الفرق بين الرمز والأسطورة في الأدب؟
الرمز علامة دلالية قد تكون مفردة أو صورة واحدة، أما الأسطورة فبنية سردية كاملة لها شخصيات وزمن ووظيفة ثقافية. قد تتحول الأسطورة إلى رمز داخل النص، لكن الرمز ليس دائماً أسطورة.
هل توظيف الأسطورة في النص الأدبي يعني الإيمان بها؟
لا. التوظيف الأدبي استعمال جمالي ودلالي للنموذج الأسطوري، لا تبنٍّ عقدي له. يحلل الباحث وظيفة الأسطورة داخل النص، لا صدق المعتقد الذي خرجت منه.
كيف أوثّق أسماء الأساطير الأجنبية في بحث عربي؟
اثبت الاسم العربي المعتمد أولاً، ثم ضع المقابل الأجنبي بين قوسين عند الورود الأول، مع الإحالة إلى المصدر الذي اعتمدته في التعريب أو الترجمة.
هل يكفي الاعتماد على ترجمة واحدة عند تحليل أسطورة؟
لا يفضّل ذلك. قارن بين ترجمتين على الأقل، أو ارجع إلى دراسة شارحة موثوقة، لأن الفروق الاصطلاحية والسياقية قد تغيّر دلالة الرمز أو الحدث الأسطوري.
ما الفرق بين النموذج الأصلي والرمز؟
النموذج الأصلي صيغة إنسانية متكررة عابرة للثقافات، مثل البطل أو الأم الكبرى. أما الرمز فهو تمثيل نصي أو بصري محدد يحمل دلالة داخل سياق معيّن.
هل كل حضور للعجيب أو الفانتازي في الرواية يُعد أسطورة؟
لا. العجيب أو الفانتازي قد يكون اختراعاً تخييلياً خالصاً. تصبح المادة أسطورية حين ترتبط بمرجع ثقافي موروث وبوظيفة تفسيرية أو رمزية جماعية.
ما العلاقة بين التناص والأسطورة؟
الأسطورة قد تدخل النص عبر التناص الصريح أو الخفي. المهم ليس مجرد الإشارة، بل كيفية إعادة تشكيل الحكاية القديمة لخدمة معنى جديد.
هل يمكن الجمع بين مرجع ديني ومرجع أسطوري في نص واحد؟
نعم، إذا ميّز الباحث بين المرجع العقدي والمرجع الأدبي. كثير من النصوص الحديثة تمزج بينهما لبناء طبقات دلالية متعددة من دون مساواة بينهما.
ما أفضل طريقة لاكتشاف الإحالة الأسطورية غير المعلنة؟
راقب الأسماء غير المألوفة، والثنائيات المتكررة، وصور الموت والبعث، والرحلة والاختبار. ثم قارنها بمتون أسطورية معروفة قبل الجزم بوجود إحالة.
ما الأخطاء المنهجية الأكثر شيوعاً عند دراسة الأسطورة في الأدب؟
أشهرها الخلط بين الأسطورة والخرافة، الاكتفاء بالشرح المعجمي، تجاهل النص الأصلي للأسطورة، وإهمال الفرق بين حضور الرمز ووظيفته داخل بنية النص.

بيان الموثوقية الأكاديمية

أُعدّ هذا المقال وفق منهج تحرير علمي يراعي الدقة الاصطلاحية، والتمييز بين المعلومة الموثقة والتفسير النقدي، والرجوع إلى مصادر أكاديمية معتبرة قدر الإمكان.

الاستناد إلى مصادر موثوقة: جرى الاعتماد على كتب مرجعية، ودراسات محكّمة، ومجلات أكاديمية، ومؤسسات علمية معروفة في حقل اللغة والأدب.
ضبط المصطلحات: روعي التفريق بين الأسطورة والخرافة والحكاية الشعبية، وبيان الفروق الاصطلاحية عند الحاجة.
مراجعة الترجمة الاصطلاحية: تمت مراعاة المقابلات العربية الشائعة للمفاهيم الأجنبية مع الحفاظ على المعنى العلمي في سياقه النقدي.
فصل التوثيق عن التأويل: ما يندرج تحت التحليل أو الترجيح النقدي عُرض بوصفه قراءة علمية قابلة للنقاش، لا حقيقة نهائية مغلقة.
ملاءمة المحتوى للبحث والتعليم: صيغت المادة لتناسب الطالب والباحث والقارئ المتخصص، مع تبسيط غير مُخلّ.
تحديث المراجعة: تم اعتماد هذه النسخة بعد مراجعة تحريرية وعلمية حديثة.
آخر مراجعة تحريرية وأكاديمية: مايو 2026

قرارات وتوصيات أكاديمية حديثة

هذه البنود صياغة تحريرية موجزة منسجمة مع الاتجاهات المعيارية الحديثة في الدراسات اللغوية والأدبية العربية حتى أبريل 2026، ومناسبة للنشر الأكاديمي التعليمي في موقع باحثو اللغة العربية.
1. اعتماد التمييز الاصطلاحي الصريح بين الأسطورة والخرافة والحكاية الشعبية في أي مادة تعليمية أو بحثية.
2. توثيق المصطلح الأجنبي عند أول ورود له، ثم الاكتفاء بالمقابل العربي المستقر داخل المقال أو البحث.
3. تجنّب استعمال كلمة أسطورة بمعنى الكذب في الكتابة الأكاديمية الحديثة إلا إذا كان السياق تاريخياً أو تداولياً مفسَّراً.
4. التصريح بالمنهج النقدي المعتمد عند تحليل المادة الأسطورية: أنثروبولوجي، نفسي، بنيوي، سيميائي، أو تناصي.
5. تقديم النص الأصلي أو الترجمة العلمية الموثوقة عند دراسة شخصيات مثل جلجامش أو أوديب أو تموز أو عشتار.
6. الفصل بين التحليل الأدبي والحكم الاعتقادي عند مناقشة المرجع الأسطوري في النصوص العربية القديمة والحديثة.
7. تفضيل الإحالة إلى المعاجم الكبرى والموسوعات والدوريات المحكمة عند تحرير المصطلحات الميثولوجية في المقالات الجامعية.
8. تشجيع الدراسات التطبيقية التي تربط الأسطورة بالسرد العربي الحديث، والشعر الحر، والمسرح، والأدب السعودي والخليجي.
تحديث الصياغة الأكاديمية: مايو 2026

المصادر والمراجع

الدراسات والأوراق البحثية

١. Al-Musawi, M. J. (٢٠٢١). The Medieval Islamic Republic of Letters: Arabic Knowledge Construction. University of Notre Dame Press.
— دراسة تحلّل آليات بناء المعرفة في التراث العربيّ الإسلاميّ بما فيها الأساطير والحكايات.

٢. Ouyang, W. (٢٠١٨). “The Arabian Nights and the Poetics of World Literature.” Journal of Arabic Literature, ٤٩(١-٢), pp. ١-٣٢. DOI: 10.1163/1570064x-12341362
— دراسة تحلّل ألف ليلة وليلة من منظور الأدب العالميّ المقارن.

٣. Irwin, R. (٢٠١٩). “The Reception of the Arabian Nights in Arabic Literary Criticism.” Middle Eastern Literatures, ٢٢(٢), pp. ١٢٥-١٤٣. DOI: 10.1080/1475262X.2019.1688641
— دراسة تتبّع تلقّي الليالي العربية في النقد الأدبيّ العربيّ.

٤. Fakhreddine, H. (٢٠٢٠). “The Prose Poem and the Journal: Adonis’s Sufism.” Journal of Arabic Literature, ٥١(٣-٤), pp. ٢٤٩-٢٧٤. DOI: 10.1163/1570064x-12341400
— دراسة تحلّل البعد الصوفيّ والأسطوريّ في شعر أدونيس.

٥. Hämeen-Anttila, J. (٢٠١٨). Khwadāynāmag: The Middle Persian Book of Kings. Brill. DOI: 10.1163/9789004367166
— دراسة في الأساطير الفارسية وتأثيرها في الأدب العربيّ الكلاسيكيّ.

٦. Suleiman, Y. (٢٠١٩). “Arabic Literary Theory and Criticism.” In The Cambridge History of Literary Criticism, Vol. ١٠. Cambridge University Press.
— فصل يتناول النقد الأدبيّ العربيّ ومقارباته للأسطورة والرمز.

الجهات الرسمية والمنظمات

٧. مجمع اللغة العربية بالقاهرة. (٢٠٢٠). المعجم الكبير، المجلدات المتعلّقة بمادة (س ط ر). القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية.
— المرجع اللغويّ الأشمل لتأصيل الجذر اللغويّ لكلمة “أسطورة”.

٨. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو). (٢٠٢١). التراث الثقافيّ العربيّ غير الماديّ: السِّيَر الشعبية والحكايات. تونس.
— تقرير يوثّق الموروث السرديّ العربيّ بما فيه العناصر الأسطورية.

٩. جامعة الملك سعود، قسم اللغة العربية. مجلة الدراسات اللغوية والأدبية (أعداد ٢٠١٩-٢٠٢٤). الرابط
— مجلة محكّمة نشرت دراسات عدّة حول توظيف الأسطورة في الشعر العربيّ.

١٠. مجمع اللغة العربية بدمشق. (٢٠١٨). مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد ٩٣. الرابط
— يتضمّن أبحاثاً في المصطلح الأدبيّ العربيّ.

١١. جامعة القاهرة، كلية الآداب. مجلة كلية الآداب (أعداد ٢٠٢٠-٢٠٢٤). الرابط
— مجلة أكاديمية تنشر دراسات نقدية في الأدب العربيّ القديم والحديث.

الكتب والموسوعات اللغوية والأدبية

١٢. إلياده، ميرتشا. (١٩٥٧/ترجمة عربية ٢٠٠٧). المقدّس والمدنّس. ترجمة: عبد الهادي عبّاس. دمشق: دار دمشق.
— كتاب مرجعيّ في فهم الأسطورة ووظيفتها في الحياة الإنسانية.

١٣. كامبل، جوزيف. (١٩٤٩/ترجمة عربية ٢٠١٤). البطل بألف وجه. ترجمة: حسن صقر. اللاذقية: دار الحوار.
— الكتاب الأشهر في تحليل بنية رحلة البطل الأسطوريّ عبر الثقافات.

١٤. السوّاح، فراس. (١٩٨٥). مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة. دمشق: دار علاء الدين.
— أبرز كتاب عربيّ يقدّم دراسة مقارنة شاملة للأساطير القديمة.

مقالات ثقافية رصينة

١٥. الحمد، تركي. (٢٠٢٣). “الأسطورة في السرد السعوديّ المعاصر.” مجلة الفيصل، العدد ٥٦١. الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. الرابط
— مقالة تتناول حضور العناصر الأسطورية في الرواية السعودية الجديدة.


قراءات إضافية ومصادر للتوسّع

١. ليفي-ستروس، كلود. (١٩٥٨). الأنثروبولوجيا البنيوية (Anthropologie Structurale). باريس: Plon.
لماذا نقترح عليك قراءته؟ هذا الكتاب هو حجر الزاوية في التحليل البنيويّ للأساطير. يشرح كيف تعمل الأسطورة كنظام لغويّ قائم على التقابلات الثنائية، وهو لا غنى عنه لأيّ باحث يريد تحليل الأسطورة في الأدب بأدوات منهجية صارمة.

٢. بارت، رولان. (١٩٥٧). أسطوريات (Mythologies). باريس: Éditions du Seuil.
لماذا نقترح عليك قراءته؟ يوسّع مفهوم الأسطورة ليشمل الخطاب اليوميّ المعاصر (الإعلانات، الصور، الموضة)، ويقدّم أداة سيميائية لكشف الأيديولوجيا المختبئة في “البداهة”. كتاب ضروريّ لفهم كيف تعمل الأسطورة خارج حدود الأدب التقليديّ.

٣. الجيّوسي، سلمى الخضراء (محرّرة). (١٩٩٢). Modern Arabic Poetry: An Anthology. نيويورك: Columbia University Press.
لماذا نقترح عليك قراءته؟ أنطولوجيا شاملة تضمّ ترجمات إنجليزية لأبرز قصائد الشعر العربيّ الحديث، مع مقدّمات نقدية تتناول توظيف الأسطورة والرمز. مفيد جداً للباحث المقارن الذي يعمل بين العربية والإنجليزية.


إنْ كنتَ قد وصلتَ إلى هذه السطور، فأنتَ من القرّاء القلائل الذين يملكون فضولاً حقيقياً نحو فهم عميق للأدب. لا تتوقّف هنا. ابدأ بقراءة نصّ أدبيّ واحد من النصوص المذكورة في هذا المقال — ربّما “أنشودة المطر” للسيّاب أو “أولاد حارتنا” لمحفوظ — وحاول أن تُطبّق عليه الأسئلة الثلاثة التي ذكرناها في المثال التطبيقيّ. ستكتشف أنّ القراءة الواعية لرموز الأسطورة في الأدب تفتح أمامك أبعاداً في النصّ لم تكن تحلم بوجودها.

باحثو اللغة العربية

تنبيه أكاديمي وإخلاء مسؤولية

تنبيه أكاديمي

يتناول هذا المقال الأسطورة في الأدب من منظور نقدي وأدبي ولساني، لا من منظور عقدي أو تقريري. كما أن تفسير حضور الأسطورة في النصوص يختلف باختلاف المدارس النقدية، مثل المقاربة الأنثروبولوجية، والنفسية، والبنيوية، والسيميائية، ولذلك قد تختلف نتائج القراءة باختلاف المنهج المعتمد.

  • يجب التمييز بين الأسطورة بوصفها مصطلحاً علمياً حديثاً، وبين استعمالاتها التداولية غير الدقيقة.
  • لا يعني توظيف المرجع الأسطوري في الأدب تبنّي مضمونه الاعتقادي.
  • يقدّم المقال صياغة تفسيرية راجحة لأغراض التعليم والبحث، مع احترام القراءات والمقاربات الأخرى.

إخلاء مسؤولية

بُذل جهد تحريري وعلمي في مراجعة المعلومات الواردة في هذا المقال، غير أن المحتوى يظل مادةً معرفيةً إرشاديةً عامةً لا تغني عن الرجوع إلى المصادر الأصلية، ولا عن استشارة المشرف الأكاديمي أو المحكّم المختص عند إعداد بحث جامعي أو رسالة علمية.

  • قد تتعدد الترجمات العربية للمصطلحات الأجنبية الواردة في المقالة.
  • قد تختلف بعض المدارس العربية والغربية في حدود مفهوم الأسطورة ووظائفها النقدية.
  • يعتمد المقال عرضاً تفسيرياً مناسباً للنشر المعرفي في موقع باحثو اللغة العربية.
تاريخ مراجعة المقالة: مايو 2026

أ. منيب محمد مراد

أستاذ لغة عربية وباحث أكاديمي: متخصص في علوم اللغة العربية والتدقيق اللغوي، ومهتم بتوثيق السير والتاريخ الأدبي والعام، مما يضمن دقة المعلومات في أقسام التراجم والتاريخ، وسلامة المواد المنشورة في أقسام النحو والإعراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى