مصطلحات أدبية

الرمز الأسطوري في الأدب: كيف يشكل جسراً بين الماضي والحاضر؟

ما الذي يجعل الرموز الأسطورية خالدة في النصوص الأدبية؟

يمثل الرمز الأسطوري في الأدب جسراً معرفياً يربط الحاضر بالماضي السحيق، ويمنح النص الأدبي عمقاً لا يدركه إلا من امتلك مفاتيح التأويل. إنه ليس مجرد زخرف لغوي، بل هو بنية دلالية تحمل طاقة تعبيرية هائلة تتجاوز حدود الزمان والمكان.

المقدمة

لقد استخدم الكتّاب عبر العصور الرموز الأسطورية (Mythological Symbols) لإضفاء بُعد روحي وفلسفي على أعمالهم الإبداعية؛ إذ تمنح هذه الرموز النص الأدبي طبقات متعددة من المعاني. فما الذي يجعل رمزاً أسطورياً قديماً قادراً على مخاطبة قارئ القرن الواحد والعشرين بذات القوة التي خاطب بها قارئ العصور الغابرة؟ الإجابة تكمن في الطبيعة الإنسانية المشتركة التي تتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الرمز الأسطوري في الأدب يمثل ذاكرة جماعية تختزن تجارب البشرية الأولى مع الوجود والموت والحب والخوف، مما يجعله أداة لا غنى عنها للأديب الذي يسعى لمس الأوتار العميقة في نفس القارئ.

ما هو الرمز الأسطوري في الأدب؟

الرمز الأسطوري في الأدب هو عنصر فني يستمد جذوره من الأساطير القديمة والحكايات الشعبية العريقة، ويحمل دلالات رمزية تتجاوز معناه الحرفي المباشر. إنه يختلف عن الإشارة البسيطة بكونه محملاً بطبقات من المعاني الثقافية والنفسية والروحية التي تراكمت عبر قرون من التداول الجمعي. كما أن الرمز الأسطوري يستدعي في ذهن القارئ سياقاً كاملاً من القصص والمعتقدات التي شكلت وعي الحضارات الإنسانية.

من ناحية أخرى، فإن توظيف الرمز الأسطوري في الأدب يمنح الكاتب فرصة للحديث عن قضايا معاصرة من خلال قناع تاريخي؛ إذ يتيح له ذلك مساحة أوسع للتعبير دون مواجهة مباشرة مع القيود الاجتماعية أو السياسية. لقد لاحظت شخصياً أثناء قراءتي لرواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح كيف استخدم الكاتب رموزاً أسطورية مرتبطة بالنيل والصحراء ليعبر عن صراع الهوية والحداثة، وكان ذلك أعمق بكثير من أي خطاب مباشر.

لماذا يلجأ الأدباء للرموز الأسطورية؟

يلجأ الأدباء إلى الرمز الأسطوري في الأدب لأسباب فنية ونفسية عميقة تتعلق بطبيعة الإبداع الأدبي نفسه. فالرمز الأسطوري يمنح النص كثافة دلالية تختصر صفحات من الشرح في صورة واحدة أو كلمة واحدة؛ إذ إن استدعاء شخصية سيزيف مثلاً يستحضر فوراً معاني العبث والمقاومة والصراع الأبدي. وبالتالي، فإن الكاتب يوفر على نفسه الكثير من الجهد التوضيحي، ويمنح القارئ متعة اكتشاف المعنى بنفسه.

بينما يرى البعض أن استخدام الرموز الأسطورية نوع من التعالي الثقافي، فإن الواقع يشير إلى أنها وسيلة للتواصل العميق مع القارئ المثقف الباحث عن تجربة قرائية ثرية. فقد شاهدت في إحدى الندوات الأدبية بالقاهرة كيف تحول النقاش حول قصيدة لأدونيس يستخدم فيها رموزاً من الأساطير الفينيقية إلى حوار ممتد حول الهوية والانتماء، وهذا بالضبط ما يطمح إليه الأديب الحقيقي. كما أن الرمز الأسطوري في الأدب يمنح العمل الفني خلوداً؛ إذ يربطه بالذاكرة الإنسانية الجماعية التي لا تبلى.

كيف تتجلى الرموز الأسطورية في الأدب العربي؟

تتجلى الرموز الأسطورية في الأدب العربي بأشكال متنوعة تعكس ثراء التراث العربي وتنوع مصادره الثقافية. لقد استلهم الشعراء والروائيون العرب من الأساطير السومرية والبابلية والفرعونية والإغريقية، وأعادوا صياغتها بما يتناسب مع الحساسية العربية المعاصرة. وكذلك استخدموا رموزاً من التراث الإسلامي والجاهلي لإثراء نصوصهم الأدبية.

ومن أبرز تجليات الرمز الأسطوري في الأدب العربي ما يلي:

  • رمز عشتار وتموز: استخدمه بدر شاكر السياب وأدونيس للتعبير عن الموت والبعث، وعن دورة الطبيعة والحياة؛ إذ رأوا في هذه الأسطورة البابلية القديمة تعبيراً عن آمال الأمة العربية في النهوض من جديد.
  • رمز فينيق (العنقاء): وظفه الكثير من الأدباء للدلالة على القدرة على البعث من الرماد، وهو رمز مهم في سياق الحديث عن النهضة والتجدد.
  • رمز سيزيف: تبناه الأدباء الوجوديون العرب مثل ألبير كامو المترجم للعربية للتعبير عن العبثية والكفاح المستمر.
  • رمز عوليس (أوديسيوس): استخدم للتعبير عن رحلة البحث عن الذات والعودة إلى الجذور، وقد وظفه محمود درويش في بعض قصائده.

من جهة ثانية، فإن التوظيف المعاصر للرمز الأسطوري في الأدب العربي لم يكن مجرد استنساخ؛ بل كان إعادة إنتاج خلاقة تأخذ من الأسطورة القديمة هيكلها وتملؤها بمضامين معاصرة. هذا وقد ساهمت حركة الشعر الحر في خمسينيات القرن الماضي في تكريس استخدام الرمز الأسطوري بوصفه أداة تحديثية تميز الشعر العربي الجديد عن الشعر الكلاسيكي.

ما الفرق بين الرمز والأسطورة والإشارة؟

يخلط الكثيرون بين الرمز الأسطوري في الأدب وبين الأسطورة نفسها، وبينه وبين مجرد الإشارة الثقافية العابرة. فالأسطورة هي القصة الكاملة بشخصياتها وأحداثها وسياقها الثقافي؛ إذ تحكي حكاية متكاملة لها بداية ووسط ونهاية. أما الرمز الأسطوري فهو عنصر مستخلص من هذه الأسطورة، قد يكون شخصية أو حدثاً أو شيئاً، يُستخدم بوصفه إشارة مكثفة تستدعي المعنى الأسطوري دون الحاجة لسرد القصة بأكملها.

على النقيض من ذلك، فإن الإشارة الأدبية (Literary Allusion) قد تكون عابرة وغير محملة بالعمق الرمزي الذي يحمله الرمز الأسطوري في الأدب. فعندما يذكر كاتب اسم نابليون مثلاً، فهذه مجرد إشارة تاريخية، بينما عندما يستخدم رمز بروميثيوس فهو يستدعي كل دلالات التحدي والعطاء والعقاب الأبدي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الرمز الأسطوري يحمل بُعداً نفسياً جمعياً بحسب نظرية كارل يونغ عن الأنماط البدئية (Archetypes)، مما يجعله أكثر تأثيراً في اللاوعي الإنساني.

اقرأ أيضاً:  تعريف الجاهلية: بين أهواء المفسرين والتحديدات التاريخية

كيف يفسر القارئ الرمز الأسطوري؟

تفسير الرمز الأسطوري في الأدب يتطلب من القارئ ثقافة واسعة ومعرفة بالأساطير والتراث الإنساني، وإلا فقد يمر عليه الرمز دون أن يدرك عمقه. فهل يا ترى يمكن لقارئ لم يسمع بأسطورة إيكاروس أن يفهم دلالات الطموح المفرط والسقوط المحتوم في قصيدة تستخدم هذا الرمز؟ الإجابة هي: سيفهم المعنى السطحي، لكنه سيفوّت الطبقة الأعمق التي أرادها الكاتب.

ومن ناحية أخرى، فإن تفسير الرمز الأسطوري في الأدب ليس عملية ميكانيكية ذات إجابة واحدة؛ إذ إن الرمز الواحد قد يحمل دلالات مختلفة بحسب السياق الأدبي الذي يُستخدم فيه. فرمز الماء مثلاً قد يدل على الحياة والتطهير في سياق، وعلى الدمار والطوفان في سياق آخر. وبالتالي، فإن القراءة السياقية الواعية ضرورية لفهم الرمز الأسطوري فهماً صحيحاً. وإني أذكر حين كنت طالباً جامعياً كيف أساءت فهم رمزية الثعبان في إحدى القصائد، معتقداً أنها ترمز للشر فقط، بينما كانت في سياق القصيدة ترمز للحكمة والتجدد كما في الأساطير الفرعونية.

ما أبرز الرموز الأسطورية العالمية في الأدب؟

تتنوع الرموز الأسطورية في الأدب العالمي بتنوع الثقافات والحضارات التي أنتجتها، لكن بعضها صار عابراً للثقافات بفضل الترجمة والتبادل الثقافي. إن هذه الرموز تشكل لغة مشتركة بين الأدباء من مختلف الجنسيات، وتمنح الأدب المقارن مادة ثرية للدراسة والتحليل.

من أبرز هذه الرموز:

  • بروميثيوس: الإله الإغريقي الذي سرق النار للبشر؛ إذ يرمز للتمرد على السلطة والتضحية من أجل الإنسانية، وقد استخدمه شيلي وغوته وكامو.
  • فاوست: الشخصية التي باعت روحها للشيطان مقابل المعرفة؛ إذ ترمز للصراع بين الطموح والأخلاق، وخلدها غوته في مسرحيته الشهيرة.
  • أوديب: الملك الذي قتل أباه وتزوج أمه دون قصد؛ إذ يرمز للقدر المحتوم والمعرفة المؤلمة، وشكل أساساً لنظرية فرويد النفسية.
  • الفينيق (Phoenix): الطائر الذي يحترق ويبعث من رماده؛ إذ يرمز للتجدد والخلود، واستخدم في أدبيات النهضة والتجديد.
  • مدينة أطلانتس: المدينة الغارقة التي ترمز للحضارة المفقودة والمثال الضائع؛ إذ استخدمها الكثيرون للحديث عن الحنين والفردوس المفقود.
  • ميدوسا: الكائن الأسطوري الذي يحول من ينظر إليه إلى حجر؛ إذ يرمز للخوف المشلّ والجمال القاتل، وقد وظفتها الكاتبات النسويات للحديث عن قوة المرأة.

الجدير بالذكر أن الرمز الأسطوري في الأدب لا يقتصر على الشخصيات فقط؛ بل يشمل الأماكن مثل جبل الأولمب، والأشياء مثل صندوق باندورا الذي يرمز للفضول المدمر. هذا وقد أثرت هذه الرموز في أدب الخيال العلمي المعاصر وأفلام السينما بشكل واضح.

اقرأ أيضاً:  الغرائبية: من تجسيد العوالم الأخرى إلى إعادة تقييم الانفتاح الثقافي

هل للرمز الأسطوري وظيفة نفسية؟

للرمز الأسطوري في الأدب وظيفة نفسية عميقة تتجاوز البعد الجمالي الصرف؛ إذ يعمل على مستوى اللاوعي الجمعي بحسب تعبير عالم النفس السويسري كارل يونغ. فالرموز الأسطورية تمثل أنماطاً بدئية (Archetypes) مشتركة بين البشر، وهي صور ومواقف نموذجية تكررت في تجربة الإنسانية منذ فجر التاريخ. وعليه فإن هذه الرموز تخاطب طبقات عميقة من النفس البشرية، مما يفسر تأثيرها القوي حتى على من لا يعرفون قصتها الأصلية بالتفصيل.

بالمقابل، فإن التحليل النفسي الفرويدي يرى في الرمز الأسطوري تعبيراً مقنّعاً عن الرغبات المكبوتة والصراعات الداخلية. فأسطورة أوديب مثلاً صارت أساساً لنظرية فرويد عن عقدة أوديب التي تفسر العلاقة بين الابن والأبوين. كما أن استخدام الكتّاب للرموز الأسطورية في الأدب يتيح لهم التعبير عن محتويات نفسية عميقة بطريقة فنية غير مباشرة؛ إذ إن القارئ نفسه قد يجد في هذه الرموز مرآة لصراعاته الداخلية. أذكر أنني حين قرأت رواية “مئة عام من العزلة” لماركيز وجدت في رموزها الأسطورية الخاصة تعبيراً عن شعوري الشخصي بالعزلة والبحث عن المعنى.

كيف نوظف الرمز الأسطوري في الكتابة المعاصرة؟

توظيف الرمز الأسطوري في الأدب المعاصر يتطلب موازنة دقيقة بين الأصالة والحداثة، بين الاستفادة من التراث وعدم الانغلاق فيه. إذاً كيف يمكن للكاتب المعاصر أن يستخدم رموزاً قديمة دون أن يبدو عمله متحفياً أو مفتعلاً؟ الإجابة تكمن في إعادة القراءة الخلاقة للأسطورة، وفي ملء الرمز القديم بمضمون معاصر يتحدث عن هموم الإنسان الحالي. فليس المطلوب استنساخ الأسطورة، بل استلهامها وتطويعها.

من ناحية أخرى، ينبغي على الكاتب المعاصر أن يدرك أن القارئ اليوم أقل إلماماً بالأساطير من قارئ منتصف القرن العشرين؛ إذ إن التعليم الحديث يركز على المعارف التطبيقية أكثر من الثقافة الإنسانية الكلاسيكية. وبالتالي، فإن استخدام الرمز الأسطوري في الأدب ينبغي أن يكون مصحوباً بسياق يوضح معناه دون إفراط في الشرح المباشر الذي يفسد جمالية الرمز. وإني أنصح كل كاتب ناشئ بأن يدرس كيف وظف أدونيس ومحمود درويش الرموز الأسطورية بطريقة تجعلها مفهومة حتى لمن لا يعرف تفاصيلها الكاملة، من خلال السياق الشعري نفسه.

الخاتمة

إن الرمز الأسطوري في الأدب يظل جسراً حياً بين الماضي والحاضر، بين اللاوعي الجمعي والوعي الفردي، وبين البُعد الجمالي والبُعد الفكري للنص الأدبي. لقد أثبتت التجربة الأدبية الإنسانية أن الرموز الأسطورية ليست مجرد تراث متحفي، بل هي طاقة تعبيرية متجددة قادرة على حمل أكثر القضايا المعاصرة تعقيداً. ومما لا شك فيه أن الأديب الذي يتقن استخدام هذه الرموز يمنح نصه عمقاً وثراءً يتجاوز السطح اللغوي إلى الأعماق الإنسانية الدفينة. كما أن القارئ الذي يفك شفرات هذه الرموز يحصل على متعة مضاعفة: متعة النص ومتعة الاكتشاف. إن التوازن بين الوضوح والغموض، وبين التراث والتجديد، هو ما يصنع عملاً أدبياً خالداً يخاطب أجيالاً متعاقبة.

فهل ستستلهم رموزاً أسطورية في كتاباتك القادمة لتمنحها عمقاً يتجاوز الزمن؟

أ. منيب محمد مراد

أستاذ لغة عربية وباحث أكاديمي: متخصص في علوم اللغة والتدقيق اللغوي، ومهتم بتوثيق السير والتاريخ الأدبي والعام، مما يضمن دقة المعلومات في أقسام التراجم والتاريخ، وسلامة المواد المنشورة في أقسام النحو والإعراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى