ائتلاف اللفظ مع اللفظ: دراسة في البلاغة العربية وتجلياته في الشعر

يمثل مفهوم “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” حجر الزاوية في علم البديع والبلاغة العربية، إذ يتناول جوهر التناغم والانسجام بين الألفاظ التي ينتقيها الأديب في نصوصه. هذا المفهوم لا يقتصر على مجرد اختيار كلمات صحيحة لغوياً، بل يتعداه إلى انتقاء ألفاظ تتجاور وتتناغم فيما بينها على المستويات الصوتية والدلالية والأسلوبية، بما يخدم المعنى المقصود ويضفي على النص جودة فنية وجمالية رفيعة. وتكمن أهمية “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” في قدرته على إحداث تأثير عميق في المتلقي، إذ يسهم في إثارة الدهشة والإعجاب، وتعزيز قوة التعبير، وترسيخ المعاني في الذهن. تسعى هذه المقالة إلى استكشاف مفهوم “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” بعمق، وذلك من خلال تتبع تعريفه في كتب البلاغة، واستجلاء تاريخ نشأته وتطوره في النقد الأدبي العربي، وتحليل تطبيقاته في نماذج شعرية مختارة من العصور الأدبية المختلفة، بالإضافة إلى مقارنته بمفاهيم بلاغية أخرى ذات صلة، واستعراض آراء النقاد والباحثين حول أهميته وتأثيره. كما ستتطرق المقالة إلى تحديد الكلمات المفتاحية ذات الصلة بالموضوع بهدف تحسين محركات البحث.
تعريف مفهوم “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” في البلاغة العربية
يُعرف “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” في البلاغة العربية بأنه انتقاء الألفاظ التي تتلاءم وتتناسب مع بعضها البعض في النص الأدبي. وقد تعددت تعريفات هذا المصطلح في كتب البلاغة، حيث يرى ابن حجة الحموي أن “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” يتحقق عندما يكون في الكلام معنى يصح معه اختيار لفظ معين من بين عدة ألفاظ ممكنة، وذلك بناءً على ما بين هذا اللفظ وبين بقية الكلام من ائتلاف وملاءمة، حتى وإن كان لفظ آخر يمكن أن يؤدي الغرض نفسه . ويستشهد ابن حجة بمثال البحتري في وصف الإبل النحيلة: “كالقسي المعطفات بل الأســـ *** سهم مبرية بل الأوتار”، حيث كان بإمكانه تشبيه الإبل بأمور أخرى تدل على الهزال، لكنه اختار “الأسهم” و”الأوتار” لمناسبتهما لـ”القسي” .
من جهته، يقدم جلال الدين السيوطي تعريفاً آخر يركز على أن “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” هو أن تكون الألفاظ يلائم بعضها بعضاً، بأن يقرن القرين بمثله رعاية لحسن الجوار والمناسبة . ويورد السيوطي مثالاً من القرآن الكريم في قوله تعالى: “تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا” [يوسف: 85]، حيث جمع بين أغرب ألفاظ القسم وهي “التاء”، وأغرب صيغ الأفعال الدالة على الاستمرار وهي “تفتؤ”، ولفظ “حرضا” الدال على شدة المرض أو الهلاك، مما يخلق ائتلافاً بين ألفاظ متقاربة في غرابتها .
كما يُعرف “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” بأنه انتقاء الكلمات في النص بحيث تكون من نوع واحد من الكلام، كأن تكون جميعها من النوع الغريب، أو من النوع المتداول، أو مما يلائم العامة، أو مما يلائم الخاصة، أو مما يلائم مخاطبين معينين ذوي تخصص واحد . ويُعد هذا النوع من الائتلاف من المحسنات البديعية اللفظية التي تعنى بتحسين رونق الكلام وجماله من خلال اختيار الألفاظ المناسبة .
تجدر الإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” و”ائتلاف اللفظ مع المعنى”. فبينما يركز الأول على التجانس والتناسب بين الألفاظ في حد ذاتها، يهتم الثاني بملاءمة الألفاظ للمعنى المراد إيصاله. فإذا كان المعنى فخماً، يُختار له ألفاظ مفخمة، وإذا كان رقيقاً، تُنتقى له ألفاظ رقيقة، وهكذا .
تاريخ نشأة وتطور مفهوم “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” في النقد الأدبي العربي
يعود الاهتمام بمفهوم “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” إلى بدايات نشأة علم البديع في النقد الأدبي العربي. يُعد ابن المعتز وقدامة بن جعفر البغدادي من أوائل النقاد الذين أسسوا مباحث هذا العلم، حيث سعوا إلى تقعيد الجوانب الجمالية والبلاغية في النصوص الأدبية . وقد برز كتاب “جواهر الألفاظ” لقدامة بن جعفر كأحد أهم الكتب التي هدفت إلى تبيان معاني الكلام في اللغة العربية وتقديم أنواع بلاغية متنوعة، مما يشير إلى الاهتمام المبكر بجمالية اختيار الألفاظ وتناسبها .
وقد استمر تناول هذا المفهوم وتطويره عبر العصور اللاحقة في النقد الأدبي العربي. فقد أشار ابن طباطبا العلوي في مؤلفاته إلى أهمية ملاءمة معاني الشعر لمبانيه، وهو ما يتضمن في جوهره فكرة ائتلاف الألفاظ مع بعضها البعض ومع المعاني التي تحملها . كما أولى صفي الدين الحلي اهتماماً خاصاً بهذا النوع من البلاغة، حيث قدم تعريفات وتطبيقات له في شروحه على بديعيته . ويُعتبر كتاب “الإتقان في علوم القرآن” لجلال الدين السيوطي من المصادر المهمة التي تناولت مفهوم “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” بالدراسة والتحليل، خاصة من خلال الأمثلة القرآنية التي أوردها لتوضيح هذا المفهوم .
تحليل معمق لمثال البحتري
يُعد بيت البحتري الذي استشهد به المستخدم في وصف الإبل النحيلة من أوضح الأمثلة التي تجسد جمالية “ائتلاف اللفظ مع اللفظ”:
“كالقسي المعطفات بل الأســـ *** سهم مبرية بل الأوتار”
في هذا البيت، يشبّه البحتري الإبل النحيلة بثلاثة أشياء متناسقة تنتمي إلى عالم القوس والرمي، وهي “القسي” (جمع قوس)، و”الأسهم” (جمع سهم)، و”الأوتار” (مفرد وتر). وقد كان بإمكان الشاعر أن يشبّه الإبل بأشياء أخرى تدل على النحول والضعف، لكنه اختار هذه الألفاظ تحديداً لما بينها من انسجام وتناسب دلالي.
فقد بدأ البحتري بتشبيه الإبل بـ”القسي المعطفات”، وهو تشبيه يوحي بمدى نحافة الإبل وانحناء ظهورها نتيجة الضعف والهزال، تماماً كما ينحني القوس عند شده أو تركه . ثم انتقل إلى تشبيه آخر أكثر دقة وهو “الأسهم مبرية”، أي السهام التي تم نحتها وبريها لتكون دقيقة ومستقيمة. هذا التشبيه يركز على استقامة ونحول الإبل الشديد، وكأنها أصبحت في دقتها كالسهم الذي تم تجهيزه للرمي . وأخيراً، بلغ الشاعر قمة التصوير في تشبيه الإبل بـ”الأوتار”، أي أوتار القوس التي تتسم بالدقة والرفع والشد. هذا التشبيه الأخير يبرز مدى ضعف الإبل وانكماش لحومها، حتى أصبحت كالأوتار المشدودة الرقيقة .
إن اختيار البحتري لهذه الألفاظ المتناسقة لم يأتِ عفو الخاطر، بل كان اختياراً واعياً يخدم المعنى المراد تصويره ببراعة فائقة. فالقسي والأسهم والأوتار تنتمي إلى حقل دلالي واحد مرتبط بالقوس، مما يخلق تجانساً لغوياً يعزز الصورة الشعرية ويجعلها أكثر تأثيراً في ذهن المتلقي .
أمثلة أخرى متنوعة من الشعر العربي
لا يقتصر جمال “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” على مثال البحتري فحسب، بل يتجلى في العديد من النماذج الشعرية والنثرية في الأدب العربي القديم والحديث. ففي الشعر القديم، نجد قول زهير بن أبي سلمى:
“فلما عرفت الدار قلت لربعها *** ألا أنعم صباحاً أيها الرَّبْعُ واسلَمِ”
“أثافيَّ سُفْاً في مُعرَّس مَرجَلٍ *** ونُؤياً كجِذم الحوض لم يتَثلَّمِ”
يُلاحظ في البيت الأول ائتلاف الألفاظ المأنوسة والمتداولة التي تناسب معنى التحية والسلام. أما في البيت الثاني، فقد استخدم الشاعر ألفاظاً أكثر غرابة مثل “أثافي”، و”سُفْاً”، و”مُعرَّس مَرجَلٍ”، و”نُؤياً”، و”جِذم الحوض”، و”لم يتَثلَّمِ” لتناسب المعاني التي أراد تصويرها من بقايا الدار وأطلالها .
وفي القرآن الكريم، تتجلى صور رائعة من “ائتلاف اللفظ مع اللفظ”. ففي قوله تعالى: “تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا” [يوسف: 85]، كما ذكرنا سابقاً، تم ائتلاف ثلاثة ألفاظ غريبة الاستعمال (“تالله”، “تفتأ”، “حرضا”) لخلق تأثير بلاغي خاص . وفي المقابل، نجد في قوله تعالى: “وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون” [النحل: 38] ائتلافاً بين ألفاظ متداولة ومأنوسة الاستعمال تناسب سياق القسم والتقرير . كما يتضح ائتلاف اللفظ مع المعنى في قوله تعالى: “ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار” [هود: 113]، حيث تم اختيار لفظ “تمسكم” الذي يدل على مجرد اللمس والملاصقة للنار، ليناسب معنى الركون إلى الظالمين دون المشاركة في ظلمهم، وهو عقاب أخف من الإحراق .
أما في الشعر العربي الحديث، فيمكن تتبع أهمية هذا المفهوم من خلال عناية الشعراء المعاصرين باختيار ألفاظهم بدقة وتناغمها لخلق أجواء شعرية مؤثرة ومعبرة، وإن كانت الدراسة التفصيلية لتجليات هذا المفهوم في الشعر الحديث تحتاج إلى بحث أوسع يتجاوز نطاق هذه المقالة.
مقارنة بين مفهوم “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” ومفاهيم بلاغية أخرى ذات صلة
يرتبط مفهوم “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” بمفاهيم بلاغية أخرى تسعى لتحقيق الانسجام والجمالية في النص الأدبي، ومن أبرز هذه المفاهيم “حسن التقسيم” و”الملاءمة”.
حسن التقسيم: هو أحد المحسنات البديعية اللفظية الخاصة بالشعر، ويعني تقسيم البيت الشعري إلى جمل أو شطرات متساوية في الطول والإيقاع . يركز “حسن التقسيم” بشكل أساسي على التوازن الموسيقي والإيقاعي في البيت، بينما يهتم “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” بالتجانس الدلالي والأسلوبي بين الكلمات المتجاورة سواء في الشعر أو النثر. فبينما يخلق “حسن التقسيم” جرساً موسيقياً تطرب له الأذن من خلال التساوي في الطول والإيقاع، يعمل “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” على تحقيق انسجام داخلي في النص من خلال اختيار كلمات متناسبة ومتآلفة في معناها وأسلوبها.
الملاءمة: هي مفهوم بلاغي أوسع يعني أن تكون ألفاظ الكلام ملائمة للمعنى المراد إيصاله، وللسياق الذي يرد فيه الكلام، وللجمهور المتلقي . يُعتبر “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” جزءاً لا يتجزأ من مفهوم “الملاءمة”، حيث أن اختيار ألفاظ متجانسة ومتناسبة يساهم بشكل كبير في تحقيق الملاءمة العامة للنص. فنظرية الملاءمة الحديثة في الدراسات اللغوية تؤكد على أهمية السياق والمناسبة في فهم اللغة والتواصل، وهو ما يتفق مع جوهر مفهوم “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” في البلاغة العربية التقليدية .
المفهوم البلاغي | التركيز الرئيسي | المجال التطبيقي | العلاقة بـ “ائتلاف اللفظ مع اللفظ“ |
ائتلاف اللفظ مع اللفظ | التجانس الدلالي والأسلوبي بين الكلمات المتجاورة | الشعر والنثر | المفهوم الأساسي للمقالة |
حسن التقسيم | التوازن الإيقاعي والتركيبي للجمل في البيت الشعري | الشعر فقط | يختلف في التركيز والمجال، لكنه يشترك في تحقيق الانسجام الجمالي |
الملاءمة | ملاءمة الألفاظ للمعنى والسياق والجمهور | الشعر والنثر | “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” يعتبر جزءاً منه ومظهراً من مظاهره |
آراء النقاد والباحثين حول أهمية “ائتلاف اللفظ مع اللفظ“
أكد العديد من النقاد والباحثين على الأهمية القصوى لمفهوم “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” في تحقيق الجودة الفنية للنص الأدبي والتأثير في المتلقي. فقد أشاروا إلى أن الكلام متى ما ائتلفت ألفاظه وتناسبت معانيه، فإنه يبلغ ذروة الفصاحة والبلاغة، ويستحوذ على اهتمام النفوس ويثير نشاط الأذهان . ويرى بعض النقاد أن الإبداع الحقيقي يكمن في التوفيق بين اللفظ والمعنى، حيث ينبع جمال النص وتأثيره من هذا التناغم والانسجام . وقد كان لابن رشيق القيرواني آراء قيمة في هذا المجال، حيث أكد على ضرورة ائتلاف اللفظ مع المعنى، واعتبر ذلك من أساسيات جودة الشعر .
إن ائتلاف الألفاظ وتناسبها لا يؤدي فقط إلى جمالية النص ورونقه، بل يسهم أيضاً في تعزيز قوة التعبير وتأثيره في المتلقي. فالألفاظ المتناسقة والمتآلفة تخلق نوعاً من الانسجام الصوتي والدلالي الذي يريح الأذن ويسهل على الذهن استيعاب المعاني والتفاعل معها عاطفياً. هذا الانسجام يضفي على النص مصداقية وقوة إقناع، ويجعله أكثر رسوخاً في ذاكرة المتلقي.
خاتمة
في الختام، يمكن القول إن “ائتلاف اللفظ مع اللفظ” يمثل عنصراً جوهرياً في البلاغة العربية، حيث يسهم في تحقيق الجودة الفنية والجمالية للنص الأدبي، ويعزز تأثيره في المتلقي. وقد استعرضت هذه المقالة تعريف المفهوم وتاريخ نشأته وتطوره في النقد الأدبي، بالإضافة إلى تحليل أمثلة من الشعر العربي القديم والقرآن الكريم تجسد جمالية هذا المفهوم. كما تم مقارنته بمفاهيم بلاغية أخرى ذات صلة مثل “حسن التقسيم” و”الملاءمة”، واستعراض آراء النقاد والباحثين حول أهميته. إن الاهتمام بـ”ائتلاف اللفظ مع اللفظ” لا يزال قائماً في الدراسات الأدبية المعاصرة، مما يؤكد على أهميته الدائمة في فهم وتقدير جماليات اللغة العربية وقدرتها على التعبير المؤثر والمدهش. لذا، ندعو القراء إلى التأمل في النصوص الأدبية بعين فاحصة لجمالية ائتلاف الألفاظ وتأثيرها العميق على المعنى والمتلقي.