المديح في الشعر الجاهلي: مفهومه ودوافعه ومعانيه وأنواعه وخصائصه

مفهوم المديح في الشعر الجاهلي لغةً واصطلاحًا
يُعرَّف المدح في معاجم اللغة العربية، كما ورد في “لسان العرب”، بأنه نقيض الهجاء، أي حُسن الثناء. ويُوضح أن “الصحيح أن المدح مصدر والمدحة الاسم والأمدوحة، والجمع مدح.. وهو المديح والجمع المدائح والأماديح. والمادح: ضد المقابح”. أما في الاصطلاح الأدبي، فيُعد المديح في الشعر الجاهلي غرضًا شعريًا أساسيًا يقوم على فن الثناء، وتعداد مناقب الإنسان الحيّ، وإظهار آلائه وإشاعة محامده وأفعاله التي خلقها الله فيه بالفطرة، والتي اكتسبها اكتسابًا، والتي قد يتوهمها الشاعر فيه. وهذا التعريف يحدد الإطار العام لفهم المديح في الشعر الجاهلي كظاهرة أدبية متكاملة.
دوافع المديح في الشعر الجاهلي
يقتضي التحليل المنطقي لدوافع المديح في الشعر الجاهلي أن يكون الإعجاب هو الدافع الأساسي والأول الذي يدفع الشاعر إلى مدح الممدوح. ومن الأمثلة على ذلك إعجاب زهير بن أبي سلمى بالحارث بن عوف وهرم بن سنان اللذين أصلحا بين عبس وذبيان وحقنا دماء غطفان، فكانا جديرين بالإعجاب ثم بالمدح. وكذلك إعجاب امرئ القيس ببني تيم وبسعد بن الضباب. يؤكد ابن رشيق هذا المفهوم بقوله: “وكانت العرب لا تتكسب بالشعر، وإنّما يصنع أحدهم ما يصنعه فكاهة أو مكافأة لا يستطيع أداء حقها إلا بالشكر إعظاماً لها”. وهذا ما فعله امرؤ القيس بن حجر حين مدح بني تيم رهط المعلّى، قائلاً:
أقرَّ حشا امرئ القيسِ بن حُجرٍ *** بنو تَيْمٍ مصابيح الظّلامِ
قال ذلك لأن المعلّى قد أحسن إليه وأجاره حين طلبه المنذر بن ماء السماء لقتله بني أبيه. ومن ذلك اليوم، قيل لبني تيم “مصابيح الظلام” بسبب بيت امرئ القيس. وقال أيضاً لسعد بن الضباب، معبرًا عن شكره:
سأجزيك الذي دافعتَ عني *** وما يجزيك عني غيرُ شكري
وهنا يخبره أن شكره هو الغاية القصوى في مجازاته. فامرؤ القيس لم يكن يلتمس مالاً، وإنما كان يشكر من نصره وأيده. ولو كان امرؤ القيس من عامة الناس ومدح أميراً أو ملكاً لكان للباحث أن يشك في دوافعه، وأن يتهمه بالتكسب، لكنه أمير يمدح أفرادًا من عامة الناس، فكان غرضه الشكر وإعلاء الذكر ومكافأة من أحسنوا إليه، لا التماس إحسان يطمع فيه. على هذا النحو، كان المديح في الشعر الجاهلي ينبع من دافع حقيقي يدل على كرم الخلق، لا من عاطفة متزلّفة تدل على ضعف النفس وهوانها.
ثم تطورت دوافع المديح في الشعر الجاهلي، وطغى حب المال على المدح والمادح، وأضاف هذا الطغيان إلى الدافع الأصيل النبيل دافعاً طارئاً، هو التكسب. ثم زاحم الدافع الطارئ الدافع الأصيل حتى كاد يلغيه، وصار الشعراء يتكسبون بالمدح لا يبعثهم على نظمه حب لمن يمدحون، بل طمع فيما يربحون. يقول ابن رشيق: «فلما جاء الأعشى جعل الشعر متجراً يتجر به نحو البلدان وقصد حتى ملك العجم، فأثابه، وأجزل عطيته علماً بقدر ما يقول عند العرب، واقتداء بهم فيه.. وأكثر الشعراء يقولون: إنه أوّل من سأل بشعره، وقد علمنا أن النابغة أسنّ منه وأقدم شعراً. وقد ذكر عنه من التكسب بالشعر مع النعمان بن المنذر مع ما فيه من قبح من مجاعلة الحاجب».
ويبدو أن العديد من النقاد المحدثين قد أغفلوا الدافع الأول الأصيل، وأثبتوا الدافع الثاني فقط، فلم يروا في المديح في الشعر الجاهلي غير الزلفى والتقرّب، وزعموا أن العاطفة التي يصدر عنها المديح في الشعر العربي عامة، والجاهلي خاصة، هي عاطفة هزيلة لا رواء فيها ولا رونق، باهتة تتراءى على استحياء، لأن شعر المديح في رأيهم وسيلة للتكسب والثراء. وحجة هؤلاء النقاد أن الشاعر يضفي على ممدوحه صفات ليست فيه، ومناقب لا يتحلى بها، وهم بذلك يتهمون الشاعر بالكذب وفتور العاطفة.
وللرد على هذه الحجة التي تقلل من شأن المديح في الشعر الجاهلي، نقول: إنّ ارتباط المادح بالممدوح قد ينقلب، لطول الاتجار بالكلام، إلى العشرة؛ من نفع يعقب مدحاً، إلى تكريم يقتضي شكراً، ومن التغني بالفضائل ومن صلة رسمية بضاعتها المجاملة إلى معايشة زادها الحب. ولما كانت “عين الرضا عن كل عيب كليلة”، فإنّ الشاعر الذي غطى بصره التعصب للممدوح، لا يرى فيه غير الفضائل، لأنه قد وطن نفسه – سواء أكان مدحه عن حب أم عن طمع – على رؤية الوجه المضيء للممدوح وعلى تصوير حسناته ومناقبه، وإغفال سقطاته ومثالبه. والشاعر – وهو يسعى إلى هدفه – قد يعثر بالنقص فيغضي لأنه ليس طلبته، ويعثر بالمأثرة، فينظر إليها من الجهات الست حتى تغدو ست مآثر، لأنها الطريق المفضي بالشاعر إلى خزانة الممدوح وقلبه. ويمكن أن نفهم مسلك الشاعر القديم إذا قسنا صنعه بصنع الشاعر الحديث.
فالعصر الحديث قد مسخ المدح أو نسخه، لكنه لم ينسخ الشعراء الذين يربطون أسبابهم بأسباب الزعماء والقادة، بل غير أسماء الأغراض التي ينظمونها. وهؤلاء الشعراء في حديثهم عن الزعماء لا يذكرون إلا المفاخر والمآثر، ولا يصوّرون إلا الأعمال الجليلة. وشعرهم – وإن كان يسمّى شعراً وطنياً أو نضالياً – ينطوي على كثير من دوافع المديح في الشعر الجاهلي، كحب الممدوح، وروح الطموح، والرغبة في الشهرة، والسعي إلى الأوسمة، وتسنم المناصب، والظفر بإعجاب الجماهير، والظهور بزي الأبطال.
وربما ألهبت الأعمال الجليلة التي ينجزها قادة العصر الحاضر نفوس الشعراء، فهم بذلك يندفعون – مخلصين أو مرتدين لبوس الإخلاص – إلى تخليد هذه الأعمال، وإطراء من نهضوا بها بقصائد وأناشيد، نحس فيها قدراً كبيراً أو يسيراً من حرارة الانفعال. فلماذا ننكر على عظمائنا وقادتنا في العصر الجاهلي أن تكون لهم مآثر تستحق الذكر، وأن تكون هذه المآثر قد حرّكت قلوب من عايشهم وأنطقت ألسنتهم بالشكر؟ إن هذه النظرة تمثل فهمًا قاصرًا لطبيعة المديح في الشعر الجاهلي.
الحق أن في هذا الموقف غمطاً للحق، حق العظيم على الشاعر، وحق الشاعر على العظيم، وتجنياً على طبيعة النفس الإنسانية التي يدفعها الثواب إلى العمل الطيب، وتشجعها الإشادة بالمعروف على المضي فيه، وتثبيطاً للهمم التي تنهض بالعزائم. أما المبالغة فلها ما يسوغها، لأنّ الشاعر ينقل إلينا صور الحياة، وأحداث التاريخ بريشة الفنّ لا بمنطق العقل، فله أن يستخدم من المعاني والصور ما يصلح لإمتاع الناس قبل إقناعهم. وللمبالغة مسوّغ آخر وهو أن الشاعر لم يكن يرسم الممدوح بصفاته التي يراها فيه، بل بالصفات التي يودّ لو تكون فيه. وبتعبير آخر، كان المادح – وهو يرسم الممدوح – يتصور المثل الأعلى للرجل الكامل الفاضل كما تقضي المفاهيم الاجتماعية في ذلك العصر، سواءً أتحقق الكمال في الممدوح أم لم يتحقق. وكأنه بهذا الصنيع يسعى إلى غاية حدّدها تصوّر الناس للفضيلة والرجولة، ويعبر عن الجانب الاجتماعي في المديح في الشعر الجاهلي.
ويعبر أيضًا عن الوظيفة الإصلاحية التي يضطلع بها المديح في الشعر الجاهلي، وعن الرسالة الخلقية التي يبشر بها. وحين ينظر الباحث إلى المديح في الشعر الجاهلي من هذا الجانب الاجتماعي، يعجب من أمرين لهما صلة به في العصر الجاهلي: أولهما النظر النقدي القاصر الذي لم يدرك جوهر الموضوع، والثاني اللسان الفاضح الذي انتهك به النقد حرمة التراث في تجريحه العنيف لهذا الغرض. ولهذا فإننا نفضل أن يوضع شعر المدح على محك التربية. فإن فعلنا، تبين لنا أنه أسلوب من أساليب التوجيه، يلقن الناشئة الفضيلة، ويبث فيهم روح السخاء والإباء، ويحثهم على العفة والأنفة، ويرغبهم في الشجاعة والتضحية، ويشق لهم سبل المجد، ويبعثهم على العمل الذي يرضي المجتمع كله، لا العمل الذي يشبع شهوات الأفراد، ويقنعهم بأن السلوك الحسن ما حسن عند الناس، لا ما تقبله الغريزة. فيكون مثلهم الأعلى وفاء السموءل، وكرم حاتم، وشجاعة عنترة، ومروءة حامي الظعائن، لا طيبات طرفة التي اقتلعته من مجتمعه، وأفردته إفراد البعير المعبد. وربما كان الأقدمون أصح إدراكاً لطبيعة المديح في الشعر الجاهلي، وأقدر على فهم وظيفته التربوية، اذ اعتقدوا أن في الممدوح أسوة وقدوة، وأن الفضيلة بمفهومها النظري المجرد عاجزة عن الترغيب في الخير وواقعة دون القصد. أما الفضيلة الحية في ممدوح حي فإنها الدافع الأول إلى جلائل الأعمال، وأمّا الممدوحون فإنهم وحدهم الجديرون بالخلود، والميت الحقيقي هو من دثر ذكره بدثور جسده. قال يزيد الحارثي:
وإذا الفتى لاقى الحِمَامَ رأيتَه *** لولا الثناءُ كأنَّه لم يولدِ
وآية ذلك أن غطفان أنجبت آلاف الكرماء والفرسان، ولم يخلد منهم إلا اثنان: الحارط بن عوف وهرم بن سنان. لم يخلدهما دفعهما ديات القتلى فحسب، بل خلدهما المديح في الشعر الجاهلي الذي قاله زهير، وتغنيه بفضائلهما. وهذا يثبت الأثر الخالد الذي يتركه المديح في الشعر الجاهلي.
معاني وأنواع المديح في الشعر الجاهلي
إن من يتأمل في دواوين الشعر الجاهلي يجد أن المعاني التي يلتقي عندها شعراء المدح هي في جوهرها المعاني التي تشيع في غرض الفخر. لكنها في الفخر تنبع من نفوس الشعراء، وفي المدح يمليها على الشعراء سلوك الممدوحين وسجاياهم. وهذه المعاني، كلها أو جلّها، موصولة النسب بحياة العرب في بداوتهم وحضارتهم، وبحكم الملوك والأمراء في الحرب والسلم. إن فهم هذه المعاني ضروري لفهم بنية المديح في الشعر الجاهلي.
غير أن القيم البدوية تظهر بشكل أشيع من القيم الحضرية في المديح في الشعر الجاهلي، سواء ما قيل منه في شيوخ القبائل، أو ما قيل منه في أمراء الحواضر، لأنّ العنجهية البدوية بقيت ذات سحر وسيادة، ولأن الأمراء المتحضرين لم يقطعوا صلتهم بالبداوة، بل ظلوا حراصاً على التعلق بأصالتها وعراقتها.
وتتمحور أهم معاني المديح في الشعر الجاهلي حول قيم مثل الشجاعة، وإغاثة الملهوف، وحماية الجار، وكرم الأرومة، ونقاء العرض، والوفاء بالذمم، وسعة الصدر، والحزم في غير عنف، والحلم في غير ضعف، والكرم الذي يهدى بصور كثيرة، والشهرة وحصافة الرأي، والصبر على صروف الدهر، والمجد التليد، والترف والسرف، والكف عن الظلم معَ القدرة عليه. إنها باختصار جماع المثل التي كان المجتمع العربي يؤمن بها، وظل يؤمن بكثير منها حتى اليوم.
على أن الشعراء لم يكونوا متساوين في تناول هذه المعاني، لأن طبيعة الممدوح كانت تفرض على الشاعر أن يختار من هذه الفضائل ما يصلح له. وهذا الاختيار يتيح لنا أن نقسم المديح في الشعر الجاهلي وفقًا لشخصيات الممدوحين والفضائل التي يوصفون بها إلى ثلاثة أنواع: الشكر، والإعجاب، والمدح السياسي. وهذا التقسيم غير دقيق، لأن أكثر شعر المدح يضرب على الأوتار الثلاثة، لكنك قد تجد أحد الشعراء يؤثر نوعاً، والآخر يميل الى نوع آخر. فمدح امرئ القيس أقرب إلى الشكر، ومدح الأعشى ظاهره الإعجاب وحقيقته التكسب، ومدح النابغة بالمدح السياسي أشبه.
١ – المديح بدافع الشكر والاعتراف بالجميل
لعل أصدق صور المديح في الشعر الجاهلي وأقدمها هو ذلك الذي يصدر بدافع الشكر، يزجيه الشاعر لمن أحسن إليه أو إلى ذويه، فيكون المدح اعترافا بمعروف، وأداء لحق. وفي هذا المدح، لا يكتفي الشاعر بذكر ما أسداه إليه الممدوح، بل يتحدث عن فضائل الممدوح كلها، ويبرز الفضيلة التي جعلته صاحب الفضل على الشاعر أو على قبيلته. وليس من الضروري أن يكون الشاعر من عامة الناس والممدوح من علية القوم. فقد يكون الشاعر أعلى مكانة من الممدوح، غير أن أحداث الحياة قد تضع الشاعر العزيز في موضع المضعوف المستجير، فيجيره من هو دونه. فإذا انكشفت الغمة، شكر الشاعر لمن أجاره، كما قدم امرؤ القيس شكره إلى المعلى، أحد بني تيم، بعد لجوئه إليه واعتصامه به من ملك العراق المنذر بن ماء السماء. وفي مثل هذه الشدائد، يخيل إلى الشاعر أن من أجاره أعزّ من ملوك الغساسنة والمناذرة، فيقول:
كأنّي إذ نزلتُ على المعلّى *** نزلتُ على البواذخ من شمامِ
فيا ملك العراق على المعلّى *** بمقتدر ولا ملك الشآمِ
وقد يكون الصنيع الجدير بالشكر مكرمة ينتظم خيرها كثيراً من الناس، فتكون أجدر من معروف ينفع الشاعر وحده. وأولى المكرمات بثناء الشعراء، وأبعدها أثراً في حياة الناس، ما صنعه الحارث بن عوف وهرم بن سنان إذ أصلحا بين عبس وذبيان بعد أن كادت الحرب تطحن الفريقين، فبذلا من مالهما ما أعاد السلام إلى القبيلتين المتحاربتين. فكانا خليقين بذروة الشرف، وحسبهما شرفاً أنهما وحدا القبائل بالمال، وغسلا النفوس من أوضار العداوة والشقاق:
تداركتها عبساً وذبيانَ بعد ما *** تفانَوْا ودقُّوا بينهم عطرَ منْشمِ
وقد قلتها: إن ندركِ السلم واسعاً *** بمالٍ ومعروفٍ من القولِ نسلمِ
فأصبحتُها منها على خير موطن *** بَعيدَيْنِ فيها من عُقوق ومأْثمِ
وكان لهرم أيادٍ بيض على زهير كاد يعيا بشكرها. قال صاحب الأغاني: “وبلغني أن هرماً كان قد حلف ألا يمدحه زهير إلا أعطاه، ولا يسأله إلا أعطاه، ولا يسلم عليه إلا أعطاه: عبداً أو وليدة أو فرساً، فاستحيا زهير مما كان يقبل منه. فكان إذا رآه في ملأ قال: عموا صباحاً غير هرم، وخيركم استثنيت”. ولما كانت بضاعة الشاعر هي الكلام، فإن غاية ما يستطيع زهير أن يجازي به هرماً هو الشكر والتنويه بفضائله كالشجاعة في خوض المعارك، ونجدة المستغيث، وحماية الضعفاء، والذب عن الأعراض، وحفظ أسرار الناس، والعطف على اللائذ به، وهو جوهر المديح في الشعر الجاهلي:
ولنعْمَ حَشوُ الدّرعِ أنت إذا *** دُعيَتْ نزالِ، ولُجَّ في الذُّعرِ
حامي الذّمار على محافظة الـ *** جُلّى أمينُ مُغيَّب الصَّدرِ
حَدِبٌ على المولى الضَّريك إذا *** نابت عليه نوائبُ الدّهر
وإذا انقلبت صلة المادح بالممدوح إلى معايشة دائمة، صعب على الدارس أن يميز مدح الشكر من مدح التكسب، لصعوبة الوقوف على البادئ بالإحسان. فأنت لا تعرف أيهما كان المبادر إلى المعروف لتعرف أيهما أجدر بإعجابك، وأيهما أوفر ربحاً في التجارة. وأولى بالذكر ما جاء في الأغاني: (قال عمر لابن زهير: ما فعلت الحلل التي كساها هرم أباك؟ قال: أبلاها الدهر. قال: لكن الحلل التي كساها أبوك هرماً لم يبليها الدهر). وهذا يعكس القيمة المعنوية الخالدة التي يمنحها المديح في الشعر الجاهلي.
فإذا كان الممدوح من رجال الأمير وكان الشاعر ذا منزلة عند الأمير، فحينئذ يلابس الشكر أغراضاً أخرى، ويقارب الشعر المدح السياسي. وفي الخبر التالي تأويل ما نزعم: أغار النعمان بن وائل بن الجلاح الكلبي على بني ذبيان، فأخذ منهم، وسبا سبياً من غطفان، وأخذ عقر ابنة النابغة. فسألها: أأنت هي؟ فقالت: أنا بنت النابغة. فقال لها: والله ما أحد أكرم علينا من أبيك، ولا أنفع عند الملك. ثم جهزها وخلاها. ثم قال: والله ما أرى النابغة يرضى بهذا منا. فأطلق له سبيهم وأسراهم. فسر النابغة أي سرور، وأحس الطمأنينة على أهله، ومضى يرفل بذيول النعمة التي أسبغها عليه ابن الجلاح، وهو غائب عنه، وأثنى عليه، وقدّمه على العرب في المجد والشجاعة:
فسكنت نفسي بعدما طار روحها *** والبستني نُعمی ولستُ بشاهدِ
علوتَ ممداً نائلاً ونكايةً *** فأنت لغيث الحمد أولُ رائدِ
وحينما يكون الخير المبذول عامّاً، فشكره أوجب، والثناء على صاحبه أولى. أصابت قوم طرفة بن العبد سنة عسرة، فوفدوا على قتادة بن سلمة الحنفي، فبذل وأجزل، وأنقذهم من جوع مميت. فلما تناهى خبره إلى طرفة، مضى ينشر ذكره في الآفاق. وكيف يُنكر إحسان من يحيي عشيرة ذاب لحمها، ورق عظمها، وغدت نساؤها في حال زرية؟ وكيف يُجحد معروف قتادة الذي فتح داره لقوم نهكهم الجوع وأزرت بهم وعثاء السفر يوم كان الأغنياء يغلقون أبوابهم في وجوه الفقراء؟ يُعد هذا النوع من المديح في الشعر الجاهلي سجلاً للمكارم الاجتماعية.
أبلغ قتادة غير سائله *** منه الثواب وعاجل الشَّكُمِ
أنّي حمدتك للعشيرة إذ *** جاءت إليك مرقة العظم ِ
ألقوا إليك بكل أرملة *** شعناً تحمل مُنْقَع البَرمِ
ففتحت بابك للمكارم حيـ *** ن تواصت الأبواب بالأزْمِ
٢ – المديح بين الإعجاب والتكسب
من الدوافع التي تحرك المديح في الشعر الجاهلي إعجاب الشاعر بإنسان عظمت أعماله، فاستحقت الثناء، أو حسنت خصاله فكانت قمينة بالذكر. لكن هذا الدافع لم يحافظ على نقائه، إذ انتقل من الإعجاب الصرف إلى الإعجاب المشوب بالطمع، المفضي إلى الكسب.
ونحن على امتعاضنا من هذا الانحراف، نجد في المدح الذي أنجبه هذا الدافع خلاصة الفضائل التي يعتز بها العرب. وأولاها الشجاعة التي رسمها الشعراء بصور كثيرة، منها سرعة الممدوحين إلى نصرة المستنصر، وانطلاق خيلهم إلى المستغيثين، وهم على صهواتها بدروعهم السابغة ونفوسهم التائقة إلى الموت، وعزائمهم الجديرة بالمجد. وقد استخلص المديح في الشعر الجاهلي هذه الفضائل وصورها أروع تصوير.
قال زهير بن أبي سلمى يمدح قوم سنان بن أبي حارثة المري:
إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم *** طوال الرّماح لا ضعافٌ ولا عُزلُ
بخيلٍ عليها جِنَّة عبقريَّة *** جديرون يوماً أن ينالوا فيستعلو
وإن يُقتَلُوا فيشتفى بدمائهم *** وكانوا قديماً من مناياهم القتلُ
عليها أسودٌ ضارياتٌ لبوسُهُم *** سوابغُ بيضٌ، لاتخرّقها النّبلُ
ومنها أن يكون الممدوح أسداً يفرس أعداءه في موقعة بعد موقعة. قال المسيب بن علس في القعقاع بن معبد:
ولأنت أشجع في الأعادي كلّها *** من مُخْدرٍ ليثٍ مُعيد وِقاع
وتظهر الشجاعة في حماية المستجير وقت الشدة. قال الأعشى يمدح قوم هوذة بن علي الحنفي:
قومٌ بيوتُهم أمْنٌ لجارهم *** يوماً إذا ضمّت المحذورة القزعا
ومن شجاعة الممدوح أن يثق الشاعر بقدرته على قنص أعدائه في كل معترك، بل أن تثق طيور السماء بهذه القدرة، فتلاحق الجيش لتصيب من جثث الأعداء. هذه الصورة الشعرية القوية هي من روائع المديح في الشعر الجاهلي. قال النابغة في مدح عمرو بن الحارث الغساني:
وثقتُ له بالنّصر إذ قيل قد غزت *** كتائب من غسان غير أشائب
إذا ما هزوا بالجيش حلّق فوقهم *** عصائبُ طير تهتدي بعصائب
وثانية الفضائل هي النسب العريق، وما يرتبط بالنسب من حفاظ على العرض وبراءة من الفواحش والأدناس. يقول أحمد بن فارس: (وللعرب حفظ الأنساب، وما يعلم أحد من الأمم عني بحفظ النسب عناية العرب.. ومما خص الله جل ثناؤه به العرب طهارتهم، ونزاهتهم عن الأدناس التي استباحها غيرهم من مخالطة ذوات المحارم، وهي منقبة تعلو بجمالها كلّ مأثرة). ولما كان للنسب هذا المقام في نفوس العرب، فقد أشاد به زهير في مدح هرم، وربط مجده الطريف بمجد قديم موروث، فقال:
قوم سنان أبوهم حين تنسبهم *** طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
وحين مدح الأعشى هوذة بن علي الحنفي، نوه بنسبه، لأن النسب الشريف يعصم الإنسان من الخور ويجنبه التعهر والفسوق ويبسط يده بالكرم، ويطهر لسانه وعينه بالعفاف. وتأتي فضيلة النسب العريق كركيزة أساسية في المديح في الشعر الجاهلي:
يا هوذ إنك من قوم ذوي حسب *** لا يفشلون إذا ما أتوا فزعا
هم الخضارم إن غابوا وإن شهدوا *** ولا يرون إلى جاراتهم خُنُعا
ولم ينس زهير وهو يمدح هرماً، أن يشيد بطهارته من الفواحش، وخلوصه للخير المحض، فقال:
والسّتر دون الفاحشات ولا *** يلقاك دون الخير من ستر
وحينما سمع عمر بن الخطاب هذا البيت طرب له، وقال: “ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم”. وربما ربط الشاعر في سياق المديح في الشعر الجاهلي فضيلة الطهارة بفضيلة أعم منها وهي التقوى وسمو العقيدة والدين القويم. مدح النابغة الغساسنة، فذكر جودة معتقدهم وقداسة مواطنهم، وطمعهم في ثواب الله وطهارة أعراضهم من الرجس والفاحشة واحتفالهم بالأعياد الدينية، فقال:
محلّتهم ذات الإله ودينهم *** قويم، فما يرجون غير العواقب
رفاق النّعال طيّب حُجُزاتهم *** يُحيّون بالريحان يوم السّباسب
ومن التقوى الوفاء والأمانة، فالتقي صادق لا يكذب، ووفيّ لا يعرف الغدر، لا يصرفه عن خلقه الوعر زيغ الناس عن الحق. قال المسيب بن علس في صفة القعقاع بن معبد:
انت الوفي، فما تذم وبعضهم *** تودي بذمته عُقابُ مَلاع
والنعمان في رأي النابغة يمثل الأمانة الخالصة من كل شائبة:
فألفيت الأمانة لم تخنها *** كذلك كان نوح لا يخونُ
ومن التقوى التزام الحق، والحكم بالعدل بين الخصوم، وقرن القول بالعمل. فإذا شفعت هذه الخصال الحميدة بجمال الوجوه وطلاوة الحديث، وحلاوة المسامرة، كان الممدوح واحداً من قوم سنان بن أبي حارثة الذين نعتهم زهير بقوله:
متى يشتجرْ قومٌ يقلْ سرواتُهم *** هم بيننا، فهمُ رضا، وهُمُ عَدْلُ
وفيهم مقاماتٌ حِسانٌ وجوهُهُم *** وأنديةٌ ينتابُها القولُ والفعلُ
ولما كان فريق من شعراء العصر الجاهلي يتصلون بالأمراء، ويعايشونهم في قصورهم، فقد أثرت فيهم الحضارة، وشابت فضائلهم الفطرية بمظاهر طارئة، وخلعت على هذه المظاهر جلال الفضائل أو رواء الثراء. لقد أثرت الحياة الحضرية في بعض جوانب المديح في الشعر الجاهلي. فانظر إلى عيني الأعشى كيف يبرق فيهما الإعجاب بجواهر هوذة المزروعة في تاجه وغلائل الحرير المتكسرة على جسمه:
له أكاليل بالياقوت زينها *** صُوَّافُها لا ترى عيباً ولا طبعا
وكل زوج من الديباج يلبسه *** أبو قدامة تحبوا بذاك معاد
واسمع النابغة كيف يطري ترف الغساسنة، وسرفهم، وأعيادهم التي يزيدها بهجة ديباجهم المنساب على جسومهم الغضة وجواريهم الرافلات في أبهاء القصور:
تحيهم بيض الولائد بينهم *** وأكسية الإضريج فوق المشاجب
يصونون أجساداً قديماً نعيمها *** بخالصة الأردان خضرِ المناكبِ
ولعل أهم السجايا الحميدة التي تهم الأمراء هي الهيبة وبسط السلطان على الرعية. ولذلك أخضع الأعشى الناس لهوذة بن علي الحنفي، وزعم أنهم يسجدون له طوعاً إذا أبصروه:
إذا تعصب فوق التاج أو وضعا *** من يلقَ هَوْذَة يسجد غير مُتب
وفي هذا المعنى ما فيه من هوان الشاعر، وذله بين يدي الممدوح. وخير منه المسيب بن علس في مدح القعقاع بن معبد إذ فضله على الملوك، لكنه لم يخضع ولم يركع، بل قال:
وإذا الملوك تدافعَتْ أركانها *** أفضلت فوق اكفهم بذراع
وخير من الأعشى والمسيب، النابغة، إذ قرن الزعامة بالإمامة، والسيادة بالريادة، وجعل إمارة النعمان رعاية للرعية، وطاعة الرعية له شكلاً من أشكال الاهتداء به، فقال:
بُعثتُ على الرعيةِ خيرَ راعٍ *** فأنتَ إمامها والنَّاسُ دينُ
ومهما يزين الشعراء للناس هذه المظاهر الملكية، فإنّها تبقى بهارج طارئة لا تهز العربي الأعرابي، ولا تبلغ من نفسه إلا قشرة هذه النفس. إنّ الفضيلة الكبرى التي تعدل الشجاعة والتي يحتفي بها المديح في الشعر الجاهلي هي الكرم. ولتصوير الكرم في المدح الجاهلي أشكال كثيرة، أولها تبرئة الممدوح من البخل على النحو الذي تلقاه في شعر الأعشى وهو يمدح هوذة، ويصور شغفه بالكرم شغف الظمآن بالشراب البرود:
يرى البخل مراً، والعطاء كأنها *** يلد به عذباً من الماء باردا
ويجعل داره مقصد الأرامل، ومحجّة الأيتام:
غيثُ الأراملِ والأيتام كُلُّهمُ *** لم تطلع الشمسُ إلا ضرّ أو نفعـا
ويشق زهير السبل دون أقدام السابلة، ويسير بهم قوافل إثر قوافل إلى دار هرم:
قد جعل المبتغون الخير من هرم *** والسائلون الى أبوابه طرقا
وشأن اللائذين بهرم كشأن الطائفين بدار قيس بن معد يكرب، كلا الفريقين إلى رزقه قاصد، وحول محجته طوّاف. يقول الأعشى:
يطوف العُفاة بأبوابه *** كطوف النصارى ببيت الوثن
وكرم القعقاع بن معبد كما يرى المسيب بن علس سيل متدفق الأمواج:
ولانت أجودُ من خليجٍ مُفْعَمٍ *** متراكم الآذيّ ذي دُفّاعِ
والإحاطة بصور الكرم مطلب عسير، لأن هذه الفضيلة طغت على معاني المدح طغياناً أغرى بعض الشعراء بالمبالغة والإسراف لغاية في نفس المادح. فإنك تقرأ للنابغة في مدح المناذرة والغساسنة، فتحس أن الشاعر يجري الفريقين في ميدان الكرم الواسع، لا ليفوز أحدهما بقصب السبق، بل ليجني الشاعر منها الهبات. فقد جعل النابغة النعمان أكرم من نهر الفرات، وزعم – وهو يمدح النعمان ـ أنه كان يحكم في أموال الغساسنة، خصوم النعمان، ليحثه على مغالبة الغساسنة في إكرامه. ولم يجد النقاد الأقدمون بأساً في شيء من معاني النابغة وصوره، لكنهم أخذوا عليه وعلى أمثاله الغاية التي ينطوي عليها هذا المدح، وهي الزّلفى والتكسب، وهي السمة التي أخذها النقاد على بعض نماذج المديح في الشعر الجاهلي. قال ابن رشيق: “وكانت العرب لا تتكسب بالشعر.. حتى نشأ النابغة الذبياني، فمدح الملوك، وقبل الصلة على الشعر، وخضع للنعمان بن المنذر وكان قادراً على الامتناع منه بمَنْ حوله من عشيرته، أو من سار إليه من ملوك غسان، فسقطت منزلته» . . . فلما جاء الأعشى جعل الشعر متجراً يتجربه”.
ولم يكن النقاد الأقدمون السابقين إلى التنبيه على هذه المنقصة، فقد سبقهم إلى نقد هذا الجانب من المديح في الشعر الجاهلي شاعر من رواده هو زهير بن أبي سلمى، إذ رأى التكسب مزرياً بالشاعر، فأنذر من يلحفون بالسؤال، وتوعدهم بحرمان لا عطاء بعده، فقال:
سألنَا فأعطيتُمُ، وَعُدْنا فَعَدتم *** ومن أكثر التسآلَ يوماً سيُحَرم
وكأني بزهير قد أحس ذل السؤال، فأنف منه، بل أنف ـ كما ذكرنا قبل – من السلام على هرم ليجعله في حلّ من يمينه فلا يضطره إلى المكافأة. غير أنه ـ ولكلّ شاعر في السؤال طريقة – كان يتودّد للممدوح، ويذكر ارتياحه للعطاء، فينهمر عليه المال قبل السؤال، كقوله:
تراه إذا ما جئته متهللاً *** كأنك تعطيه الذي أنتَ سائِلهْ
ومن الطرق المفضية بالشعراء إلى خزائن الأغنياء أن يذكروا المتاعب التي يلقونها في اجتياز الفلوات قبل أن يبلغوا أبواب الكرام، كأنهم يقاضونهم إلى مروءتهم التي تقيس الثواب بمقياس المشقة. قال ابن قتيبة: “والعادة أن يذكر الشاعر ما قطع من المفاوز، وما أنضى من الركائب وما تجسّم من هول الليل وسهره، وطول النهار وهجيره، وقلة الماء وغؤوره، ثم يخرج إلى مدح المقصود ليوجب عليه حق القصد، وذمام القاصد، ويستحق منه المكافأة”. وربما كان الأعشى أبرع الشعراء في هذا المسلك، ومن براعته أن يضيف إلى ما ذكرنا الخمر والغزل، ثم يزجر نفسه عن التعلق بالشهوات، ويصرفها إلى الممدوح القمين بعنايته وإطرائه. ويتيح هذا النحو من السموّ الفني والدنّو النفسي تطوّر المدح من التغني بالمآثر إلى جني المكاسب، فسقطت منزلة الشاعر المتكسب وازدراه الناس. غير أننا ـ على إقرارنا بهوان المتكسبين – نستطيع أن نجد لهم مسوّغات تتغمد ما اجترحوا بالغفران. وأوّل المسوغات أن يكون الممدوح جديراً بالإكبار كهرم بن سنان، وثانيها أن يكون الشاعر عف النفس، صادق اللسان، لا يمدح الرجل إلا بما فيه كزهير بن أبي سلمى. والثالث أن نعد التكسب حقاً من حقوق الفن على الثراء، يعين الشاعر على التفرغ لفنه، ليصنع الرائع الممتع. ولو تذكرنا ما حظي به الشعراء والرسامون الإيطاليون في القرن السادس عشر من سراة فلورنسا وروما ومن رجال الكنيسة، لغفرنا للنابغة وزهير والأعشى تكسبهم بالشعر. وحسبك أن تمرّ مرور العجلان بالجزء العشرين من قصة الحضارة (لديورنت) لتقف على السرف والترف اللذين كان يعوم فيهما عَوْماً أعلام الأدب والفن في إيطاليا، ولتدرك أن سخاء الأغنياء كان التربة الخصبة التي نبتت فيها فسائل النهضة، ثم زكت وآتت أكلها أضعافاً مضاعفة.
المديح السياسي والاعتذار في الشعر الجاهلي
لم يكن المديح في الشعر الجاهلي بمعزل عن الحياة السياسية، وكيف يمكن أن يزدهر في معزل عنها وأكثر الممدوحين ملوك وأمراء وقادة وشيوخ قبائل؟ ولكلّ واحد من هؤلاء دولة لها أنصار وأعداء، أو إمارة تحارب وتسالم، أو قبيلة ذات مصالح تعارضها مصالح قبيلة أخرى. ولو كان لكل عظيم من هؤلاء شاعره المسبح بحمده، لكان هم الشاعر أن يُعلي صاحبه، فيجعله شمساً تختفي لطلعتها النجوم، وسلطاناً يرعد من هيبته العظماء، فيقول ما قال النابغة في النعمان:
ألم تر أن الله أعطاك سورة *** ترى كل ملك دونها يتذبذبُ
بأنك شمس والملوك كواكب *** إذا طلعت لم يبد منهن كوكبُ
لكن صلات الشعراء بالأمراء كانت في غاية التعقيد. وعلة تعقيدها أن الشعراء ينتمون إلى قبائل مختلفة الأصول والمصالح، ذات روابط كثيرة التقلب. وعلى الشعراء أن يأخذوا أنفسهم بالسير في شعاب السياسة المخوفة وبين مناكب الأمراء المتدافعة، فلا يغضبون ملكاً بإرضاء ملك، ولا ينطوي مدح أمير على الزراية بأمير. وعليهم أن يكونوا قادرين على لي الأعناق التي تجنح بالخوارج من قبائلهم عن الجادة، فلا تمرد هذه الأعناق على أعنّة الملوك، ولا تفاجئ شعراءها الذين جعلتهم سفراءها في الحواضر بغزوات تُحرجهم.
وهب الشاعر قادراً على كبح قومه إذا جمحوا، فأنى له أن يغالب الحساد والمنافسين الذين يكيدون له ويفسرون مسلكه على النحو الذي ينفر منه الأمير، وكلهم متنمر لطرده، ثم للظفر بقلب الأمير وخزانته؟ يدلك على ذلك اصطراع لبيد بن ربيعة والربيع بن زياد في قصر النعمان، وما أثير حول خيانة النابغة للنعمان وغزله بالمتجردة ومدحه للغساسنة، وما آل إليه الأمر من غضب الأمير على الشاعر، وتنصل الشاعر مما رمي به. وتتجلى تعقيدات المديح في الشعر الجاهلي في قصة النابغة مع النعمان، فلم ينكشف البلاء عنه إلا بعد أن تشكى من الهم والعنت، والأرق والذعر، وأقسم اليمين تلو اليمين ليقنع النعمان ببراءته، ويفضح ضغائن الحساد فقال:
أتاني أبيتَ اللعنَ أنّك لمتني *** وتلك التي أهتم منها وأنصبُ
فبتّ كأنّ العائدات فرشنني *** هراساً به يُعلى فراشي ويُقشبُ
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة *** وليس وراء الله للمرء مذهبُ
لئن كنتَ قد بُلِّغتَ عنِّي خيانةً *** لمبلغُك الواشي أغشُّ وأكذبُ
ومن أبرز الموضوعات في المدح السياسي معالجة المشكلات التي تجر إليها الحروب بين الممالك والقبائل. فالممالك كانت تسعى إلى بسط سلطانها على ما حولها، والقبائل كانت ترفض الخضوع لهذا السلطان، فتغير على أطراف الممالك، وتنهب، ثم ترتد إلى الصحراء. وفي حلبات الصراع، تستطيع جيوش الملوك المدربة أن تأسر نفراً من المغيرين، فيضطر الشعراء إلى استرضاء الملوك لاستنقاذ الأسرى.
أسر الحارث بن جبلة الغساني شأساً، أخا الشاعر علقمة بن عبدة، ونفراً من تميم. فرحل علقمة إلى الحارث، ومدحه بقصيدة ختامها التنويه ببأس الحارث، والإشادة بنعمه الكثيرة التي يصيب منها أصدقاؤه وأعداؤه، فكيف لا يكون لشأس الأسير حظ من هذه النعم؟ إنّ عزّة الحارث تأبى إذلال الناس، ولذلك اعتز أسراه بعزته ونالهم نصيب من كرمه. قال علقمة:
أنت الذي آثاره في عدوه *** من البؤس والنعمى لهن ندوب
وفي كلِّ حيٍّ قد خبطت بنعمة *** فحق لشأس من نداك ذنوب
وما مثله في الناس إلا أسيره *** مدان، ولا دان لذاك قريب
فلما سمع الحارث الأبيات، أطلق شأساً والأسرى من بني تميم. وللأعشى مع المناذرة خبر كهذا الخبر انتهى إلى مدح سياسي كهذا المدح. فقد فتك الأسود بن المنذر، أخو النعمان، ببني أسد وذبيان، وأصاب نعماً وأسرى وسبايا من بني سعد بن ضبيعة، قوم الأعشى، وكان الشاعر غائباً عن الحي. فلما قدم وجد الحي مباحاً، فأقبل على الأسود، وأنشده قصيدة ينوّه فيها بقوة الأسود وكرمه، واحتماله أعباء الحياة عن الناس، ويذكر عطفه على أقربائه من العرب وإطلاقه الأسرى، وقدرته على مداواة الحمقى بكرمه وحزمه. ولذلك ترى الناس خاضعين له خضوع العابد لمعبوده:
عنده الحزم والتقى وأسا الصر *** ع وحملٌ لمضلعِ الأثقالِ
صلات الأرحام قد علم النّا *** س، وفك الأسرى من الأغلال
أريحيُّ صلت يظل له القو *** مُ ركوداً قيامهم للهلال
والنابغة الذبياني أبرع الشعراء في هذا المدح، وأبعدهم مرمى في ميدانه. فهو لم يكتف بخوض المعارك السياسية الناجمة عن الصراع بين القبائل والملوك، بل خاض المعارك السياسية التي كانت تنشب بين قبيلته وخصومها، وحاول أن يؤثر في عقد الأحلاف، وأن يوجّه الصراع القبلي الوجهة المفيدة لقومه.
لما نشب الخلاف بين عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء، حرص النابغة أشدّ الحرص على محالفة بني أسد، ثم على حماية الحلف بعد عقده. وحين حاول بنو عامر أن يوغروا بني أسد على حلفائهم الذبيانيين، جابههم النابغة، ومضى يشيد ببطولة بني أسد، ويستثير نخوتهم وحميتهم، ويذكر حمايتهم لذبيان وصدقهم في اللقاء، ويعدّد أيامهم الغر، فيقول:
فهم درعي التي استلامـت فيهـا *** إلى يوم النار وهم مجنَّي
وهم وردوا الجفار على تميم *** وهم أصحاب يوم عكاظ، إنّي
شهدتُ لهم مواطنَ صادقاتٍ *** أتيتهم بودِّ الصّدر منّي
غير أن أخطر معاركه السياسية تلك التي أشرنا إليها غير مرة، وذكرنا ما احتمله فيها من عنت للتوفيق بين مدحه للمناذرة ومدحه للغساسنة. وفي هذه المعركة لقي النابغة ما لقي من غضب النعمان وكيد الحساد، وبذل فيها ما بذل من أنفته، فاعتذر وتضرع، وتنصل من التهم إلى أن تمكن من العودة إلى النعمان آخر الأمر.
الخصائص الفكرية والفنية للمديح في الشعر الجاهلي
بعد دراسة دوافع المديح في الشعر الجاهلي وتحليل عواطف الشعراء فيه، وما ينطوي عليه من إعجاب وطمع، ثم دراسة أنواع المدح، ما نُظم منه للشكر، وما نُظم للتكسب، وما خالط السياسة والاعتذار، نجد أن هذا التقسيم لم يكن دقيقاً تماماً، لأن الشاعر الجاهلي لم يكن يقصر مدحه على نوع واحد من هذه الأنواع. فقد يمدح للشكر بقصيدة، ويمدح للكسب بأخرى. ولأن هذه الأنواع إذا اختلفت في طائفة من المعاني، فإنها تلتقي في مجموعة من الخصائص الفكرية والفنية. فما أهم هذه الخصائص؟
١ – الخصائص الفكرية
من أبرز الخصائص الفكرية التي يتميز بها المديح في الشعر الجاهلي ارتباطه الوثيق بالحياة العامة وتصويره جانباً من جوانبها. فهو حبة من عقد، وصورة من صور الحياة التي تكتنف الشاعر بحربها وسلمها، وحلّها وترحالها، وخاطرة من خواطر كثيرة تعرض للشاعر كالغزل والصيد والتأمل في الحياة، والفخر بالنفس والقبيلة. فمعلقة زهير – وهي من أكثر المعلقات احتفالاً بالمدح – أربت أبياتها على ستين بيتاً، ولم تزد الأبيات التي مدح بها الشاعر الحارث وهرماً على ثمانية أبيات. فإذا جعلنا هذه المعلقة نموذجاً يعتد به في الإحصاء، قلنا إن المدح يمثل ثُمْن الشعر الجاهلي. والحق أنه أقل من ذلك بكثير. فأكثر الشعر الجاهلي يعرض عن هذا الغرض، والمعلقات المشهورة تكاد تخلو منه، والمفضليات على وفرة عددها لا تحوي إلا يسيراً من المدح، مما يدل على أن المديح في الشعر الجاهلي لم يكن الشاغل الأول الذي يشغل الشاعر، ولا الغاية التي توجه إليها القصيدة. ومعاني المدح تختلف باختلاف الممدوحين في الطبقات والطبائع، ثم باختلاف الشعراء في الثقافة والصلات بالحضارة والبداوة. فللملك السلطان الممدود والتاج المعقود، وفك الأسرى والترف والسرف. وللقادة الشجاعة والنجدة وإغاثة الملهوف. ولشيوخ القبائل الكرم والوفاء وحسن الجوار. وربّما كان الأعشى أبرع شعراء المدح في اختيار الأفكار المناسبة لكل ممدوح.
ومن خصائص المدح الفكرية نقله للأحداث التاريخية، وسرده لأيام العرب، وعنايته بتسجيل العلاقات التي كانت قائمة بينهم وبين جيرانهم من روم وفرس وأحابيش. ويصور حياة العرب اليومية ومفاهيمهم في الحكم، ومثلهم العليا، وحديثه عن بداوتهم وحضارتهم، وعن طبيعة الحضارة التي تأثروا بها. وديوانا الأعشى والنابغة حافلان بأدوات الحضارة وفنونها، وهما وغيرهما من دواوين الشعر الجاهلي يعدان من أهم المصادر الموثوقة التي يحسن الاعتماد عليها في دراسة التاريخ العربي قبل الإسلام، وفي دراسة المفاهيم الخلقية والقيم والمثل العليا التي صنع منها الضمير العربي والوجدان العربي. وهذا يجعل من دواوين المديح في الشعر الجاهلي مصادر تاريخية موثوقة.
٢ – الخصائص الفنية
لا ينفرد المدح من أغراض الشعر الجاهلي بخصائص فنية متميزة، لأنه جزء لا يتجزأ من هذا الشعر. ومع ذلك، فإن طبيعة أفكاره غلبت عليه طائفة من الخصائص التي قد تبهت في الأغراض الأخرى وتخفت، ومنها المبالغة.
نظرًا لأن الهدف الأساسي للمديح هو إرضاء الممدوح، فإن الشعراء لم يجدوا حرجًا في استخدام المبالغة في تصوير خصال الممدوح. ولعلّ ذلك مردود إلى أن الصدق عند الشاعر لا يعني نقل الحقيقة بصورتها المرئية، وإنما يعني تصوير الحقيقة بالصورة القادرة على إظهارها بقسمات مؤثرة ممتعة. ولذلك سمح الشاعر لنفسه أن يغلو ويشتط في تضخيم الصور. تزعم التابعة أن سيوف الغساسنة تشطر الفارس المسربل بدرع سلوقية ضافية مضاعفة الزرد، فإذا شطرته شطرين وبلغت ظباها الأرض اصطدمت بالصخر، فانتثر منه الشرر:
تقدّ السلوقي المضاعف نسجه *** وتوقد بالصفاح نار الحباحب
وهذه الخصيصة قليلة الشيوع في المدح، لأنك تجد كثيراً من الشعراء يؤثرون الإنصاف على الإسراف، والواقع على الخيال. فإما أن يعرضوا أفكارهم بأسلوب مجرد، أو أن يعرضوها بصور معقولة لا يجنح فيها الخيال ولا يحلق، بل يستمد مادته من بيئة الشاعر. مدح النابغة الغساسنة فجعلهم في البيت الأول كالمصابيح التي تكشف سواد الليل، وفي البيت الثاني زهد وهجم على المعنى وعرضه بأسلوب مباشر، فذكر أنهم ملوك بالوراثة، كرماء في الشدة والرخاء، فقال:
لا يُبعد الله جيراناً تركتهم *** مثل المصابيح تجلو ليلة الظلم
هم الملوك وأبناء الملوك لهم *** فضل على الناس في اللأواء والنعم
ومن خصائص المدح مزجه بالقصة التاريخية. ففي ديوان الأعشى قصيدة ميمية في مدح قيس بن معد يكرب سرد فيها الشاعر أقصوصتين: أولاهما عن (قصر الحضر) الذي حاصره شاهبور عامين كاملين وأخفق في قهره لأن أصحابه آثروا الموت على الاستسلام، والثانية عن سيل العرم وخراب مأرب. وغرضه من القصتين الاعتبار:
ففي ذاك للمؤتسي أسوة *** ومأرب قفى عليها الـعـرم
ولا تستغرق الأقصوصة عادة أكثر من أبيات قليلة، لكنها تلوّن الشعر الغنائي بلون ملحمي، وتحيي أفكاره المجردة بما تبثّ فيها من أحداث، وتفسر حاضر الإنسان بماضي غيره. وقد كان النابغة أبرع الشعراء الجاهليين في تسخير القصة لهذا الغرض، وفي عرضها بأسلوب فني رائق. ومدائحه زاخرة بأخبار الأولين كقصة سليمان الذي سخّر الله له الجن، وحكمه في الناس، وأمره بمعاقبة العاصي، وإنصاف المظلوم. وما النعمان إلا سليمان آخر سخره الله لهداية الناس، وردّهم عن الانحراف والزيغ:
ولا أرى فاعلاً في النّاس يُشبهه *** ولا أحاشي من الأقوام من أحد
إلاّ سليمان إذ قال الإلهُ لَهُ *** قم في البرية فاحددها عن الفَند
الأسئلة الشائعة
١- ما هو تعريف المديح في الشعر الجاهلي لغةً واصطلاحًا؟
الإجابة: لغةً، المدح هو نقيض الهجاء ويعني حُسن الثناء. واصطلاحًا، هو غرض شعري أساسي يقوم على فن الثناء على شخص حي، وتعداد مناقبه الفطرية والمكتسبة، وتخليد أفعاله ومحامده.
٢- ما هي الدوافع الرئيسية وراء المديح في الشعر الجاهلي؟
الإجابة: تمثلت الدوافع في دافعين رئيسيين: الأول هو الدافع الأصيل المتمثل في الإعجاب الصادق والشكر على معروف، والثاني هو الدافع الطارئ المتمثل في التكسب المادي وطلب المال، والذي أصبح أكثر شيوعًا مع مرور الزمن.
٣- ما أبرز القيم والمثل العليا التي احتفى بها المديح في الشعر الجاهلي؟
الإجابة: احتفى المديح بقيم المجتمع العربي العليا مثل الشجاعة، الكرم، حماية الجار، إغاثة الملهوف، عراقة النسب، نقاء العرض، الوفاء بالعهود، الحلم، والحزم.
٤- كيف يمكن تصنيف أنواع المديح في الشعر الجاهلي حسب الغاية منه؟
الإجابة: يمكن تصنيفه إلى ثلاثة أنواع رئيسية وإن كانت متداخلة: ١- المديح بدافع الشكر والاعتراف بالجميل. ٢- المديح بدافع الإعجاب المختلط بالتكسب. ٣- المديح السياسي المرتبط بالعلاقات بين القبائل والملوك.
٥- هل تعتبر المبالغة في المديح الجاهلي كذباً فنياً، وما مسوغاتها؟
الإجابة: لا تعتبر كذباً بقدر ما هي أداة فنية. ومسوغاتها أن الشاعر يهدف إلى الإمتاع الفني لا الإقناع المنطقي، وأنه كان يرسم صورة مثالية للممدوح تعكس قيم المجتمع العليا، لا مجرد نقل للواقع.
٦- كيف أثر التكسب بالشعر على مكانة الشاعر وغرض المديح؟
الإجابة: أدى التكسب إلى تحويل الشعر من تعبير صادق عن الإعجاب إلى سلعة تجارية، مما أدى إلى انخفاض مكانة الشاعر في نظر البعض، وجعل الدافع المادي يطغى على العاطفة الصادقة.
٧- ما هو دور المديح في الشعر الجاهلي على الصعيد السياسي؟
الإجابة: لعب المديح دورًا دبلوماسيًا هامًا، حيث استُخدم كأداة للتأثير على الملوك والأمراء، واستنقاذ الأسرى، وتقوية الأحلاف القبلية، ومعالجة الصراعات السياسية بين الممالك والقبائل.
٨- ما القيمة التاريخية التي يقدمها شعر المديح الجاهلي؟
الإجابة: يُعد مصدرًا تاريخيًا واجتماعيًا موثوقًا، حيث يسجل أحداثًا هامة مثل “أيام العرب”، ويصور العلاقات مع القوى المجاورة، ويوثق القيم الأخلاقية، والمفاهيم الاجتماعية، ومظاهر الحضارة والبداوة.
٩- إلى جانب المبالغة، ما هي الخصائص الفنية الأخرى التي ميزت المديح الجاهلي؟
الإجابة: تميز بمزجه بالقصص التاريخية والأساطير لتقديم العبرة وإضفاء بُعد ملحمي، بالإضافة إلى اعتماده على التصوير الحسي المستمد من البيئة، والأسلوب المباشر في عرض بعض المعاني.
١٠- ما الوظيفة التربوية والاجتماعية التي أداها المديح في الشعر الجاهلي؟
الإجابة: كان بمثابة أداة توجيه تربوي، حيث يلقن الناشئة الفضائل والقيم العليا من خلال تقديم الممدوحين كقدوة حسنة ونماذج مثالية في الشجاعة والكرم والوفاء.




