الأدب العربي

الغزل عند زهير بن أبي سلمى: بين صدق الإحساس ورصانة الكهولة

في رحاب الشعر الجاهلي، حيث ترتفع أصوات العشاق وتتوهج قصائدهم بنار الشوق والهيام، يبرز صوتٌ مختلف، صوتٌ يتسم بالوقار والحكمة، هو صوت زهير بن أبي سلمى. للوهلة الأولى، قد يبدو غزله باهتاً مقارنةً بأقرانه، لكن نظرة أعمق تكشف عن تجربة شعرية فريدة تستحق التأمل. لا يقدم لنا زهير لهيب العشق المتقد، بل رماد الذكريات الدافئ الذي يشي بصدق التجربة وعمقها. إن الغزل عند زهير بن أبي سلمى ليس مجرد مقدمة تقليدية للقصيدة، بل هو مرآة تعكس صراعاً داخلياً بين حنين الشباب ورصانة الكهولة، وبين حرارة العاطفة وسطوة الفن. تستهدف هذه المقالة الغوص في أغوار هذه التجربة الشعرية، لاستكشاف كيف شكّلت شخصية زهير الحكيمة وفلسفته في الحياة غرضاً غزلياً متفرداً يجمع بين الصدق الفطري والوقار المهيب.

خصائص الغزل في شعر زهير

يُظهر التحليل النقدي لديوان زهير بن أبي سلمى أن الشاعر لم يتسم بالوله الشديد تجاه المرأة، أو الافتتان المطلق بجمالها. عوضاً عن ذلك، كان يمنحها مكانة محددة في قلبه وشعره، حيث خصص لها مقدمات قصائده وبعض المقطوعات الشعرية المستقلة. إن طبيعة الغزل عند زهير بن أبي سلمى كانت تتجلى بوضوح عند وقوفه على الأطلال، حيث كانت الرسوم الباقية تثير في نفسه ذكرى الظعائن الراحلات، وتسترجع ذاكرته صور الماضي وتفاصيله المتعلقة بالحبيبة. وفي حين يعمد الشعراء عادةً إلى تصوير تجاربهم الغزلية بشكل حي ونابض بالعواطف الآنية، فإن معظم تجارب الغزل عند زهير بن أبي سلمى قد وقعت في مرحلة الشباب بينما تم تصويرها شعرياً في مرحلة الكهولة. على الرغم من هذا الفاصل الزمني، فإن ألوان تلك التجارب لم تبهت في مخيلته، ومشاعرها لم تفقد وهجها في نفسه.

كان زهير يمر بآثار الديار، فتستيقظ ذكرياته من مكامنها، لتتمثل أمامه شخصيات مثل أم أوفى، أو سلمى، أو أسماء، أو أميمة. حينها، كان يقدم خطاباً شعرياً عن إحداهن، وهو خطاب الكهل الذي لم ينسَ عشق الشباب، لا خطاب المراهق الذي قد يخترع أخبار الحب إن لم يعشه، أو يبتدع أسماء المحبوبات إن لم يحظَ بهن. وهذا الصدق هو ما يميز الغزل عند زهير بن أبي سلمى.

عندما وقف زهير على أطلال حبيبته سلمى في موضع “التعانيق” ثم “الثقل”، أثارت هذه الأماكن في نفسه ذكريات الحب القديم. وقد تجلى حينها صراع داخلي، حيث زعم تارةً أن قلبه قد شُفي من داء الحب، وزعم تارةً أخرى أنه لا يزال مغلوباً على أمره. في حقيقة الأمر، لم يكن الشاعر يحمل من العشق سوى ذكرياته التي يستعيدها في لحظات الخلوة والتأمل في الماضي. ويتجسد هذا الصراع الذي يعكس طبيعة الغزل عند زهير بن أبي سلمى في قوله:

صَحا القلبُ عَنْ سَلَّمى وقد كاد لا يَسْلُو *** وَأَنفَرَ مِنْ سَلَّمى التعانِيقُ فالتقلُ
وَكُلُّ حَبِيبٍ أَحْدَثَ النَّأْيُ عِنْدَهُ *** سُلُوَّ فُؤادٍ غَيْرَ حُبِّكَ ما يَسْلُو
تَأَوَّبَني ذِكْرُ الأَحِبَّةِ بَعْدَما *** هَجَعْتُ وَدُوني قُلَّةُ الحَزْنِ فَالرَّمْلُ

(وتجدر الإشارة هنا إلى أن “التعانيق” و”الثقل” هما اسما موضعين. والفعل “تأوبني” يعني أتاني ليلاً، و”هجعت” أي نمت نوماً خفيفاً، و”القلة” هي أعلى الشيء، أما “الحزن” فهو ما غلظ من الأرض، والمعنى أن مسافة بعيدة تفصله عن أحبته).

العوامل المؤثرة في طبيعة الغزل عند زهير بن أبي سلمى

يمكن إرجاع الطبيعة العاطفية غير المتوهجة في الغزل عند زهير بن أبي سلمى إلى ثلاثة عوامل رئيسية، فعلى الرغم من صدق عواطفه، فإنها لم تكن مشبوبة.

أول هذه العوامل يتمثل في أنه كان يصور تجاربه العاطفية بعد انقضاء سنوات عليها. هذا الفاصل الزمني بين وقوع التجربة وتصويرها شعرياً قد حوّل التجربة من جمر متقد إلى رماد هامد على المستوى الشعوري. ونتيجة لذلك، يجد القارئ في شعره الصدق، ولكنه لا يجد الحرارة العاطفية المتوقعة، وهو ما يفسر خصوصية الغزل عند زهير بن أبي سلمى.

وثانيها، هيمنة الصنعة الفنية الزهيرية على تدفقه العاطفي وكبحها له. فقد كان فنه المصقول يطغى على عواطفه، مما أدى إلى خفوت اللهب الشعوري خلف دقة التصوير الفني، وتناثر الإحساس الخام تحت تأثير ريشة الصانع الماهر، وهذا ما يميز منهج الغزل عند زهير بن أبي سلمى.

أما العامل الثالث، فيعود إلى طبعه الرصين وترفعه عن التبذل في الحب والتذلل للمحبوبة، وإيثاره للجد والرجولة على اللهو والتخنث. وإذا كان المغنون مثل الغريض وابن جامع ويزيد حوراء قد غنوا بعض المقطوعات من شعره، فمن المرجح أن تلك المقطوعات تعود إلى شعر الشباب المفعم بالحياة، لا إلى شعر الكهولة الوقور. إن هذا الوقار سمة أساسية في الغزل عند زهير بن أبي سلمى.

الأسى على الشباب في الغزل عند زهير بن أبي سلمى

يصعب على المتلقي أن يتأثر بشدة بنمط الغزل عند زهير بن أبي سلمى، خاصة وأن الشاعر نفسه كان يعبر عن تألمه وتحرجه من الخوض فيه. كان يقر بعجزه ويرى أن جياده قد أُنهكت من الجري في ميدان اللهو والغزل، وأنه قد فارقه أعز أصدقائه، وهو الشباب، حتى بلغ به الحال أن العذراء إذا حيّته نادته بـ “يا عماه”. وهذا الشعور بالتقدم في السن هو جانب أصيل في تجربة الغزل عند زهير بن أبي سلمى. يقول في ذلك:

صَحا القَلبُ عَن سَلمى وَأَقصَرَ باطِلُهْ *** وَعُرِّيَ أَفراسُ الصِّبا وَرَواحِلُهْ
وَقالَ العَذارى إِنَّما أَنتَ عَمُّنا *** وَكانَ الشَّبابُ كَالخَليطِ نُزايِلُهْ

(والخليط هنا هو الصاحب أو الرفيق، والفعل “نزايله” يعني نفارقه).

قد يكون إحساس زهير بالحسرة على شبابه هو الجانب الأكثر صدقاً وعمقاً في غزله. فهذا الشعور يحمل في طياته مرارة قاتلة، ويأساً قنوطاً، وصبراً على العجز عن مجاراة الفتيان في ميدان الحب. وهذا الجانب يفسر جانباً من الوقار الذي أثقل كاهله، وحمله عليه كرهاً لا رضاً بثقله. وهذا ما يجعل الغزل عند زهير بن أبي سلمى تجربة فريدة.

ويبدو أن زهيراً قد أدرك ما يناسبه بعد أن تقدم به العمر، فزجر نفسه عن الانخراط في ملاعب الشباب وارتدع. وكان هذا الازدجار والانسحاب من ميدان الغزل أشد دلالة على صدقه من تصابي غيره من الشعراء. ذلك لأنه لو حاول التصابي لجاء شعره مصطنعاً ومخالفاً للواقع، وشخصية مثل زهير لا تحيد عن الحق، ولا تدعي ما لا تملكه. بل إنه يبرئ نفسه من مرض لا قدرة له على احتماله، فيقول في تعبير صادق يعكس جوهر الغزل عند زهير بن أبي سلمى:

فَصَحَوْتُ عَنْها بَعْدَ حُبٍّ داخِلٍ *** والحُبُّ تُشْرِبُهُ فُؤادَكَ داءُ

(ومعنى “تُشْرِبُهُ” أي تُدخِلُهُ).

الصدق والتركيز على الجانب الحسي في الغزل عند زهير بن أبي سلمى

بغض النظر عن مدى قدرة غزله على التأثير في المتلقي، فإن السمة الأولى التي تطبع الغزل عند زهير بن أبي سلمى هي الصدق. أما السمة الثانية، فهي إيثاره للجانب الحسي من المرأة وتغليبه على الجانب المعنوي. فهو، كغالبية الشعر الجاهلي، يقدم تصويراً جسدياً للمرأة، ويركز على وصف محاسنها ومفاتنها، بدلاً من تقديم تحليل نفسي لنوازعها وأهوائها. إن هذه النزعة الحسية مكون رئيسي في الغزل عند زهير بن أبي سلمى.

فالمحبوبة في شعره تثير إعجابه بعنقها الذي يشبه عنق ظبية بيضاء تخلت عن سربها لترعى صغيرها المدلل، وتسحره برضابها الذي يشبه شراباً عذباً نال من التخمر والعتق نصيباً كافياً دون أن يبلغ حد الفساد أو تغير الطعم والرائحة. وهذا التركيز على الوصف الجسدي هو ما يحدد ملامح الغزل عند زهير بن أبي سلمى. يقول واصفاً:

قامَتْ تَبَدَّى بذي ضالٍ لِتَحْزُنَني *** وَلا مَحالَةَ أَنْ يَشْتاقَ مَنْ عَشِقا
بِجيدِ مُغْزِلَةٍ أَدْماءَ خاذِلَةٍ *** مِنَ الظِّباءِ، تُراعي شادِناً خَرِقا
كَأَنَّ ريقَتَها بَعْدَ الكَرى اغْتَبَقَتْ *** مِنْ طَيِّبِ الراحِ لَمْ يَعْدُ الَّذي عَتُقا

(والمغزلة هي الظبية ذات الغزال، لأن عنقها يكون أشد انتصاباً لحذرها على صغيرها. والأدماء هي البيضاء. والخاذلة هي التي تخلفت عن القطيع لترعى ولدها. وتراعي تعني تراقب وتحرس. والشادن هو الغزال الذي اشتد وقوي. والخرق هو الذي لا يدري أين يتجه لصغر سنه).

محدودية الابتكار وعفة اللفظ في الغزل عند زهير بن أبي سلمى

إن صور الغزل عند زهير بن أبي سلمى لم تخرج عن الأطر المألوفة في الشعر الجاهلي. ومع ذلك، فقد نالت بعض هذه الصور إعجاب النقاد القدماء مثل ابن قتيبة، ومنها تشبيهه للمرأة بثلاثة عناصر في بيت واحد، وهو قوله:

تَنازَعَها المَها شَبَهاً وَدُرُّ الْـ *** ـبُحورِ وَشاكَهَتْ فيها الظِّباءُ

والحقيقة أن لمثل هذه الصور أمثلة كثيرة في الشعر الجاهلي، وليس في هذا البيت من جديد يستحق التنويه الخاص سوى فكرة الصراع الذي أوجده الشاعر بين اللؤلؤ والظباء وبقر الوحش حول أيها أقرب شبهاً بحسن هذه المرأة، بالإضافة إلى الحركة التي بثها فعل “التنازع” في البيت. وهذا يعكس أن الغزل عند زهير بن أبي سلمى يميل إلى التقليد الفني.

اقرأ أيضاً:  الوصف عند زهير بن أبي سلمى: من الأطلال إلى تصوير الحيوان والصراع في الصحراء

بناءً على ما سبق، يتضح أن الغزل عند زهير بن أبي سلمى، بصورة عامة، يتسم بسمة ثالثة هي قلة الابتكار، فليس في معانيه وأخيلته ما يميزه بشكل كبير عن غيره من شعراء عصره. لكنه في المقابل، يتميز بكونه طاهراً، وشريفاً، ونقي اللفظ، وعفيف المعنى. وعلى الرغم من أن الغزل عند زهير بن أبي سلمى قد افتقر إلى الجدة في المعنى والحدة في الانفعال، فإنه لم يفتقر أبداً إلى دقة التصوير وصدق الإحساس.

خاتمة

وهكذا، نخلص إلى أن الغزل عند زهير بن أبي سلمى لا يُمثل قصوراً في التجربة العاطفية، بل هو تجلٍّ فني لخصوصية الشاعر ومنهجه في الحياة والشعر. إنه غزلٌ لا يقاس بحرارته، بل بصدقه؛ ولا بقوة انفعاله، بل بدقة تصويره. لقد نجح زهير في أن يصوغ من ذكريات شبابه شعراً غزلياً يتناسب مع وقار شيخوخته، فجاءت قصائده شاهدة على أن الحب ليس حكراً على عواصف الشباب، بل يمكن أن يكون أيضاً تأملاً هادئاً في خريف العمر. في نهاية المطاف، يبقى الغزل عند زهير بن أبي سلمى علامة فارقة في ديوان الشعر العربي، فهو لم يكن صرخة عاشق متيم، بقدر ما كان همسة حكيم يتذكر، ليقدم لنا شعراً عفيف اللفظ، صادق الإحساس، ونبيل المعنى.

الأسئلة الشائعة

١ – لماذا لا يتسم الغزل عند زهير بن أبي سلمى بالحرارة العاطفية المتوقدة التي نجدها عند شعراء آخرين؟

الإجابة: يعود افتقار الغزل عند زهير بن أبي سلمى للحرارة العاطفية إلى ثلاثة عوامل رئيسية متكاملة. أولاً، الفاصل الزمني الكبير بين وقوع التجربة الغزلية في شبابه وتصويرها شعراً في كهولته، مما حوّل التجربة من “جمر متقد إلى رماد هامد”، فبقي الصدق وغابت الحرارة. ثانياً، هيمنة الصنعة الفنية المتقنة على شعره؛ فزهير كشاعر “صنعة” كان يميل إلى تهذيب شعره وتنقيحه، مما أدى إلى كبح جماح العاطفة الفورية لصالح التصوير الفني الدقيق والبناء المحكم. ثالثاً، طبيعة شخصيته التي اتسمت بالرصانة والوقار والترفع عن التبذل في الحب، حيث كان يؤثر الجد والرجولة على اللهو، وهذا انعكس مباشرة على أسلوبه في التعبير عن مشاعره.

٢ – ما هي أبرز الخصائص الفنية التي تميز الغزل عند زهير بن أبي سلمى؟

الإجابة: يمكن تلخيص الخصائص الفنية التي تطبع الغزل عند زهير بن أبي سلمى في أربع سمات أساسية. الصدق، فهو لم يدّعِ حباً لم يعشه أو يخترع أسماء لمحبوبات وهميات. التركيز على الجانب الحسي، حيث يميل إلى الوصف الجسدي للمرأة ومحاسنها الظاهرة كالعنق والريق، وهو توجه سائد في الشعر الجاهلي. قلة الابتكار، فصوره الغزلية ومعانيه لم تخرج عن الإطار المألوف للشعر في عصره، معتمداً على التشبيهات التقليدية. العفة ونقاء اللفظ، فعلى الرغم من حسيته، إلا أن غزله ظل طاهراً، شريفاً، بعيداً عن الفحش والإسفاف، مما يجعله متسقاً مع شخصيته الوقورة.

٣ – كيف أثر تقدم زهير في السن على تجربته في الغزل؟

الإجابة: كان لتقدم السن أثر حاسم في تشكيل ملامح الغزل عند زهير بن أبي سلمى. فبدلاً من أن يكون شعره تعبيراً عن تجربة حب آنية، أصبح استعادةً لذكريات الماضي من منظور رجل كهل. هذا المنظور أضاف إلى غزله بعداً من الحسرة على الشباب الضائع والأسى على فوات زمن اللهو، وهو ما يتجلى بوضوح في إحساسه بالمرارة حين تناديه العذارى بـ “يا عماه”. لقد تحول الغزل لديه من غرض شعري مستقل إلى وسيلة للتأمل في الحياة والزمن، وهذا ما يفسر وقاره وصدقه العميق، حيث انسحب من ميدان الغزل معترفاً بعجزه، وهو ما يعتبر دليلاً على صدقه.

٤ – هل يمكن اعتبار الغزل عند زهير بن أبي سلمى ضعيفاً من الناحية الفنية؟

الإجابة: لا يمكن وصف الغزل عند زهير بن أبي سلمى بالضعف الفني، بل هو مختلف في طبيعته وأهدافه. إذا كان مقياس القوة هو حدة الانفعال وتوهج العاطفة، فقد يبدو غزله أقل قوة من غيره. لكن إذا نظرنا إليه من زاوية الدقة التصويرية، وصدق الإحساس، ونقاء اللغة، وعمق التجربة الإنسانية المتمثلة في التأمل والحسرة، فإنه يمتلك قوة من نوع آخر. القوة في غزله لا تكمن في حرارة التجربة، بل في صدق تصويرها بعد أن خمدت، وفي قدرته على تحويل الذكرى الشخصية إلى موضوع شعري متماسك ومحكم الصنعة.

اقرأ أيضاً:  المديح في الشعر الجاهلي: مفهومه ودوافعه ومعانيه وأنواعه وخصائصه

٥ – ما هو الدور الذي تلعبه “الأطلال” في الغزل عند زهير بن أبي سلمى؟

الإجابة: تلعب الأطلال دوراً محورياً كبوابة لاستدعاء الذاكرة في الغزل عند زهير بن أبي سلمى. فهي ليست مجرد تقليد شعري، بل هي المحفز النفسي الذي يوقظ ذكريات الحب القديم. عندما يقف زهير على “التعانيق” و”الثقل”، فإن هذه الأماكن لا تثير فيه الحزن على رحيل الأحبة فحسب، بل تعيده إلى صراعه الداخلي بين النسيان والتذكر، وبين الشفاء من الحب والبقاء أسيراً له. فالأطلال هي المسرح المادي الذي تدور عليه أحداث دراما الذاكرة، وهي التي تمنح غزله طابعاً تأملياً وحنيناً إلى الماضي.

٦ – كيف يختلف تصوير زهير للمرأة عن تصوير شعراء الغزل الصريح مثل امرئ القيس؟

الإجابة: يختلف تصوير المرأة في الغزل عند زهير بن أبي سلمى اختلافاً جوهرياً عن شعراء الغزل الصريح. بينما يميل امرؤ القيس إلى تصوير المرأة في سياق المغامرة الحسية الجريئة، والتركيز على تفاصيل جسدية دقيقة بأسلوب مباشر ومتهتك أحياناً، فإن زهيراً يقدم صورة أكثر وقاراً وعفة. يركز زهير على الجانب الحسي أيضاً، لكن من خلال تشبيهات مستمدة من الطبيعة (الظبية، البقرة الوحشية)، وبأسلوب فني مصقول يبتعد عن الإثارة المباشرة. المرأة عنده كائن جمالي يُنظر إليه بإعجاب وتقدير، لا موضوع للمغامرة واللهو، وهذا يعكس ترفعه ورصانته.

٧ – هل يعتبر بيت زهير “تنازعها المها شبهاً…” قمة الابتكار في غزله؟

الإجابة: على الرغم من إعجاب النقاد القدماء كابن قتيبة بهذا البيت، إلا أنه لا يمثل قمة الابتكار بقدر ما يمثل ذروة الصنعة الفنية ضمن الأطر التقليدية. فكرة تشبيه المرأة بالظباء واللؤلؤ كانت مألوفة في الشعر الجاهلي. لكن الجديد الذي أضافه زهير هو بث الحركة والحياة في الصورة من خلال فعل “تنازعها”، الذي يخلق مشهداً ديناميكياً تتصارع فيه عناصر الجمال الطبيعي لتقترب من حسن محبوبته. فالقيمة الحقيقية للبيت لا تكمن في ابتكار معانٍ جديدة، بل في الصياغة الفنية المتقنة التي تجعل الصورة المألوفة أكثر حيوية وتأثيراً، وهو ما يميز الغزل عند زهير بن أبي سلمى.

٨ – ما الذي يعنيه زهير بقوله: “وصحا القلب عن سلمى وأقصر باطله”؟

الإجابة: هذا البيت هو إعلان صريح عن التحول الذي طرأ على الشاعر في مرحلة الكهولة، ويمثل جوهر نظرته للحب في تلك المرحلة. جملة “صحا القلب” تعني استيقاظه من سكرة الحب وشفاءه من مرضه. أما “أقصر باطله” فتشير إلى توقفه عن الانسياق وراء أهواء الشباب وملاهيه التي يعتبرها الآن نوعاً من الباطل. هذا الإعلان ليس مجرد تعبير عن نسيان محبوبة معينة، بل هو قرار واعٍ بالانسحاب من عالم الغزل واللهو، واعتراف بأن مرحلة الشباب قد ولّت. إنه يعكس صدق الغزل عند زهير بن أبي سلمى، حيث لا يدعي الشاعر ما ليس فيه.

٩ – هل كان الغزل غرضاً أساسياً أم ثانوياً في شعر زهير؟

الإجابة: كان الغزل غرضاً ثانوياً في شعر زهير بن أبي سلمى، ولم يكن محور تجربته الشعرية كما هو الحال عند شعراء آخرين. لقد استخدمه غالباً كمقدمة تقليدية لقصائده الطويلة في المدح والحكمة، أو في مقطوعات قصيرة تعبر عن ذكرياته. اهتمامه الأساسي كان منصباً على القضايا الكبرى كالسلام، والمدح الصادق، والحكمة، والفخر بالقيم القبلية. لذلك، جاء الغزل عند زهير بن أبي سلمى متأثراً بهذه الاهتمامات، فبدا رصيناً، وقوراً، وأقرب إلى التأمل منه إلى التعبير عن الهوى، مما يؤكد مكانته الثانوية في منظومته الشعرية.

١٠ – ما القيمة الإجمالية لدراسة الغزل عند زهير بن أبي سلمى في الأدب العربي؟

الإجابة: تكمن القيمة الإجمالية لدراسة الغزل عند زهير بن أبي سلمى في أنه يقدم نموذجاً فريداً للغزل يختلف عن التيار السائد في الشعر الجاهلي. إنه يوضح كيف يمكن لشخصية الشاعر وفلسفته الحياتية أن تعيد تشكيل غرض شعري تقليدي. فدراسته تكشف عن العلاقة العميقة بين الشعر والحياة، وتُظهر أن الغزل ليس بالضرورة مرادفاً للعاطفة المتأججة، بل يمكن أن يكون تعبيراً عن الحكمة، والتأمل في الزمن، والصدق مع الذات. إنه يمثل “غزل الحكيم” الذي يضيف بعداً إنسانياً وفكرياً عميقاً إلى ديوان الشعر العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى