الفخر عند طرفة بن العبد، الفخر الفردي والفخر القبلي

دعامتا الفخر في الشعر الجاهلي أمران: إعجاب الشاعر بنفسه، واعتزازه بقومه. وقد أوتي طرفة حظاً عظيماً منها، ولذلك زخر شعره بالفخر الفردي، والفخر القبلي.
الفخر الفردي
لم تكن صلة الشاعر بأعمامه وذوي القربي من قومه مبنية على المودة والوئام، لأن الظلم الذي لحقه ولحق أمة نشاء على الغضب والمنافرة، ولذلك فاخر بنفسه وبمسلكه قبل أن يفاخر بقومه على ما في مسلكه من هنات، وجعل ما بغضب قومه عله مفخرة ترضى عنها نفسه وطفق يفاخر بإدمانه الخمر، وربط الخمر بالكرم.
ورغم أن الخمر لا تضعفه مكانته بين الناس فهو السيد الذي يتصدر المحافل والشاعر المقبل على الحياة من طلبه وجده في حانة ومن وجده أصاب من مائدته أطيب الشراب وعبّ من زقّه ما يرويه:
وإن تبغني في حلقة القوم تلقني وإن تلتمسي في الحوانيت تصطدِ
متى تأتني أصبحك كأساً رويّةً وإِن كُنتَ عنها غانيا فاغن وازدد
وإذا كانت الخمر تلوي الرؤوس، وتفتك بالعقول فعقل طرفة الذكي لا تفسده الخصر، وقامته الرشيقة لا يعروها الضعف إنه دائم اليقظة، حاد الطبع، مستوفز للنزال في كل حين، لا يفارق سيفه جنبه:
أنا الرجُلُ الضرب الذي تعرفونَهُ خشاش كراس الحية المتوقّدِ
فآليتُ لا يَنْفَكُ كشحي بِطَانَةٌ لغضبٍ رقيقِ الشَّفْرَتين مهنّدِ
وإذا كان أصحابه قد تفرّقوا عنه فلم يتفرقوا لنقيصة فيه، بل لقصورهم عن درك منزلته، وغيرتهم من مكانته، وهو لذلك معتد بنفسه، لا يأبه لمن يعاديه فرداً كان العدو أو جماعة:
فَلَو كُنتُ وَغلاً في الرجال لضرّني عداوة ذي الأَصْحَابِ والمـتوحّــد
ولكن نفى عني الرجال جراءتي عليهم وإقدامي وصدقي ومحتدي
ومفاخرة طرفة بالشجاعة وإغاثة الملهوف والذكاء والكرم والنسب الشريف أكثر الفضائل دوراناً في شعره. وهذه الفضائل تجعل طرفة في عين نفسه الفارس الشهم ذا الفتوة والمروءة..
الفخر القبلي
أما الفخر القبلي في شعره فأبرز مفاخره النسب العريق الذي يصل طرفة ببكر وتغلب، وهما ذؤابة الشرف، ورأس المجد، ثم الشجاعة والنجدة اللتان تحملان فرسان قومه شباباً وكهولاً إلى حلبات الوغى، ليدفعوا الأذى عمن يستصرخ بهم، كأنهم أسود نفرت من عُرنها:
وتفرّعنا من ابنَي وائلٍ هامةُ العزِّ وخُرطوم الكرم
بثيابٍ وكُهولٍ نُهُدٍ كلُيُوثٍ بين عِرَّيس الأجمِ
وقومه لا يبطرون إذا اغتنوا ولا يجزعون إذا افتقروا فهم في الحالين أجلاد أنجاد، تحكمهم عقولهم الراسخة لا العواطف المتقلبة وهذه جعلتهم يتغمدون ذنب المخطئ بالعفو، ويزهدون في الفخر، لأن فضائلهم فطرة فيهم، تظهر بلا إظهار. وتعلن نفسها بلا إعلان، فما حاجتهم الى التشدق والبجح.
إن نصادِف مننْفِساً لا تلفنا فُرُحَ الخير، ولا نكبُر لضَرُ
ثم زادُوا أَنهُمْ في قَوْمِهِمْ غُفُرٌ ذنبهُم غير فُخْرُ
أما كرمهم فعام شامل، وأما عشرتهم فلينة دمثة إذا دعوا لم يختاروا من الناس السراة والأقربين، بل فتحوا بيوتهم للناس كافة. وإذا عايشوا الناس خصوا جيرانهم بالحلم والعفو وسعة الصدر، لأنهم تعودوا الإحسان، وألفوا البر، ونبتوا على حب الخير، والدعوة إليه:
نَحْنُ في المشتاةِ ندعو الجُفّلى لا ترى الآدبَ فينا ينتَقر
فُضُلٌ أَحلامُهُمْ عَنْ جَارِهِمْ رُحُبُ الأذرعِ بالخيرِ أُمُر
ولعل أجود ما في فخر طرفة القبلي هذه الروح التربوية التي تجعل قومه حراصاً على السلوك القويم، كالعفو عند المقدرة، وكفالة الجار، ومسامحة المذنب، وحسن المعاشرة، ولين الجانب، وكف الجاهل، وردعه عن جهله. فإذا لم يزدجر طردوه من مجلسهم، لأن نفوسهم المهذبة تكره البذاءة والرفث:
نزع الجاهل في مجلسِنا فترى المجلس فينا كالحرم
وربما كانت هذه المسحة الحضرية المهذبة أحد العوامل التي أحنقت عليه قومه، وهم يرونه يتطوح في الحانات، فحق عليه قوله: نزع الجاهل في مجلسنا.
سؤال وجواب
١- ما هما الدعامتان الأساسيتان للفخر في شعر طرفة بن العبد كما يوضح المقال؟
الدعامتان هما: إعجابه بنفسه الذي يمثل الفخر الفردي، واعتزازه بقومه الذي يمثل الفخر القبلي.
٢- لماذا اتجه طرفة إلى الفخر بنفسه قبل الاعتزاز بقومه؟
لأن علاقته بأعمامه وأقاربه لم تكن جيدة بسبب الظلم الذي تعرض له هو وأمه، مما جعله ينشأ على الغضب والمنافرة ويعتد بنفسه أولاً.
٣- كيف ربط طرفة بين شرب الخمر والكرم في فخره الفردي؟
جعل من إدمانه للخمر مفخرة تدل على كرمه، فهو السيد الذي يقدم كؤوس الخمر لزواره في الحانات بسخاء حتى وإن كانوا في غنى عنها.
٤- ما هي أبرز الفضائل الشخصية التي فاخر بها طرفة؟
كانت أبرز فضائله التي يفخر بها هي الشجاعة، وإغاثة الملهوف، والذكاء، والكرم، والنسب الشريف.
٥- إلى من يرجع طرفة أصل قومه كمصدر أساسي للفخر القبلي؟
يرجع أصلهم إلى ابني وائل (بكر وتغلب)، اللذين يعتبرهما قمة الشرف ورأس المجد.
٦- كيف يصف طرفة سلوك قومه في حالتي الغنى والفقر؟
يصفهم بأنهم لا يصيبهم الغرور والبطر إذا اغتنوا، ولا يجزعون أو يضعفون إذا افتقروا، فهم في الحالتين أقوياء تحكمهم عقولهم الراسخة.
٧- ما هي السمة المميزة لكرم قوم طرفة؟
سمة كرمهم أنه عام وشامل، فهم يدعون الناس كافة لمآدبهم في الشتاء (دعوة الجُفّلى)، ولا يخصون بها الأقربين أو السادة فقط.
٨- اذكر ثلاث قيم أخلاقية يفخر طرفة بوجودها في قومه.
من قيمهم الأخلاقية: العفو عن المخطئ، وحسن معاملة الجار وسعة الصدر معه، ومسامحة المذنب.
٩- كيف يتعامل قوم طرفة مع الجاهل في مجالسهم؟
إذا لم يكف الجاهل عن جهله بعد نصحه، فإنهم يطردونه من مجلسهم، لأن نفوسهم المهذبة تكره البذاءة، مما يجعل مجلسهم ذا هيبة كالحرم.
١٠- كيف يلمح المقال إلى وجود تناقض بين قيم طرفة المعلنة وسلوكه؟
يلمح إلى أن القيم المهذبة التي يصف بها قومه، كطرد الجاهل، ربما كانت سبباً في غضبهم عليه هم أنفسهم لرؤيتهم إياه يتردد على الحانات.




