امرؤ القيس: الملك الضليل وأسطورة الشعر الجاهلي - تحليل شامل لحياته وشعره

حياته
في القرن الخامس الميلادي، ظهرت في شمالي نجد دولتان عربيتان، كانت أولاهما دولة الغساسنة في الشام التي ارتبطت سياسيًا بالروم، والثانية هي دولة المناذرة في الحيرة التي ارتبطت بالفرس. وفي منتصف هذا القرن، ظهرت دولة ثالثة في نجد وما حولها، وهي مملكة كندة التي ينتمي إليها ملوك من عرب اليمن. وقد أسسها أحد أجداد الشاعر امرئ القيس، وهو حجر بن عمرو الكندي، الذي كلفه حسّان بن تبع الحميري بمحاربة اللخميين، فاستعان في حربه ببني بكر، وأقام دولته في نجد معلنًا انفصاله عن تبابعة حِميَر.
لاحقًا، اتسعت مملكة كندة في عهد الحارث، جد امرئ القيس، لكنه أقدم على تقسيم مملكته بين أبنائه، فكان نصيب حُجْر، والد امرئ القيس، حكم قبيلتي غَطفان وبني أسد. وقد اشتد حجر في معاملته لبني أسد وأسرف في جمع الإتاوات منهم وأعمل في رقابهم السيف، مما أدى إلى مقتله على أيديهم. وبذلك، أورث حجر ولده امرأ القيس ملكًا منهارًا، ودمًا مهراقًا. فمن هو امرؤ القيس؟ وماذا صنع بهذه التركة الثقيلة؟
لقد وضع محمد بن سلام الجمحي الشاعر امرأ القيس على رأس الطبقة الأولى من شعراء العصر الجاهلي، وسرد نسبه قائلًا: هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو ابن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن يعرب بن ثور بن مُرتع بن معاوية ابن كِندة.
كان اسم امرئ القيس حُنْدُج، وقيل مُليكَة، وقيل عَدي. ولُقب بالملك الضليل وبذي القروح، وبامرئ القيس. وقد عُرف بلقبه امرئ القيس الذي طغى على اسمه الأصلي. كما عُرف بثلاث كُنى، هي: أبو وهب، وأبو زيد، وأبو الحارث.
اختلف المؤرخون في تحديد سنة ولادة امرئ القيس، فقيل إنها سنة ٤٩٧م، وقيل إنها سنة ٥٢٠م، ونُقل عن المؤرخ رينان أنه ولد حوالي سنة ٥٠٠م. كان أبوه حجر ملك غطفان وأسد، وأمه فاطمة بنت ربيعة وأخت المهلهل، وقيل إن اسمها تَمْلِك، وقيل إن اسمها فاطمة ولقبها تَمْلِك. ويضاف إلى ذلك، أن لامرئ القيس نسبًا آخر صنعه الشعر لا الدم؛ فقد نشأ في بيت موصول النسب بالشعر، فعمه معد يكرب كان شاعرًا، وجده لأبيه حجر آكل المرار كان شاعرًا، وخالاه مُهلهل وكليب ابنا ربيعة كانا شاعرين، وخالته ربيعة الزهراء كانت شاعرة، فهو إذن مُعمّ ومُخوّل، وإرثه من الشعر يفوق إرثه من الملك. وربّما كان لهذا الموروث الشعري أثر في حياته يفوق أثر الملك، مما جعله، كما سنرى، ينبغ في الشعر، ويخفق في السياسة، ويفشل في طلب الملك.
يمكن تقسيم حياة امرئ القيس إلى مرحلتين أساسيتين يفصل بينهما مصرع أبيه: المرحلة الأولى هي مرحلة الشباب العابث، والمرحلة الثانية هي مرحلة السعي العاثر إلى استعادة الملك.
نشأ حندج في نجد بين نباتات العرار والقيصوم، من أسرة توارثت الملك ودانت لها قبائل العرب من ربيعة ومضر. ولم تفرض عليه الحياة ما تفرضه على أقرانه من تبعات الرعي والتجارة، فاكتفى من تكاليف العيش بالفروسية والصيد والشعر واللهو. ومضى يتردد بين أسرة أبيه وأسرة خاليه المهلهل وكليب من قبيلة تغلب، وينتقل بين أودية نجد ورياض اليمن، مزهوًا بنفسه وبملك أبيه، ومدلّلاً بالمجد الذي ورثه، وغارقًا في لذائذ الدنيا.
إن طلب الطرد والقنص، سار في ركابه فتيان أقران، يبغون ما يبغيه من قفز على الجياد ومطاردة للفرائس. وإن مال إلى اللهو، وجد بين الإماء والقيان مبتغاه. فقصف ولها، وتغزل وشرب، وحفّ به في كل مجلس يحلّه صحبه من الخلعاء والظرفاء، الذين ينقلون إليه أشعار غيره، وينقلون شعره إلى الناس. وهو، بذكائه المتوقد وذوقه الرهيف، كان يصيب من لذة الفن كما يصيب من لذة الجسد، ويرخي لغرائزه العنان، فتنطلق على طبيعتها، غير مكترثة بعرف، ولا خائفة من مسلك يطلق ألسنة الناس فيه وفي أبيه.
ولما تمادى امرؤ القيس في ضلاله، طرده أبوه، فلم يزد الطرد مجونه إلا استمرارًا وإلحاحًا على الغيّ، إذ بدأ ينفق عمره في الشهوات، ويعايش من شذ وتصعلك من بني كلب، ومن غوى وفسق من بني بكر بن وائل. فإذا أعجبه غدير من غدران نجد، أراح راحلته عنده، وأقام مع عصبة السوء يسكرون ويسمرون، ويقصفون ويعزفون، إلى أن يملوا مقامهم أو ينفد ماء الغدير، فيطلبون حينئذ موردًا آخر وملهى آخر.
وبينما كان امرؤ القيس غارقًا في لذائذه، وقعت حادثة غيرت مسار حياته، ونقلته من المجون إلى الشجون، ومن الخمر والقمر إلى الغم والهم، فإذا الشاب الخليع قد أصبح كهلًا موتورًا، ينهض بما ألقته على كاهله هذه الواقعة من تبعات الثأر لأبيه واسترداد الملك. وفي كتب الأدب أخبار مفصلة عن هذه المرحلة المثيرة من حياته، نلخصها فيما يلي، ونتبع الخلاصة بفقرات مما ورد في كتاب الأغاني.
عندما وصله خبر مقتل أبيه وهو في دمون من أرض اليمن، قال: «ضيَّعني صغيرًا، وحملني دمه كبيرًا. لا صحو اليوم، ولا سكر غدًا. اليوم خمر وغدًا أمر». ولم ينهض من مجلسه، ثم شرب سبعًا. فلما صحا، آلى على نفسه ألا يأكل لحمًا، ولا يشرب خمرًا، ولا يدهن بدهن، ولا يصيب امرأة، ولا يغسل رأسه من جنابة، حتى يدرك بثأره. وبعبارة أخرى، نقول إن الواقعة الفاجعة حوّلت امرأ القيس من شاب مدلّل إلى كهل مفكر، فخلع ثياب الخلاعة، ولبس درع الحرب، ثم ارتحل حتى نزل على بكر وتغلب، فسألهم النصر على بني أسد، فأرسلوا العيون لتحذير بني أسد الذين لجؤوا إلى بني كنانة. فلما وقف امرؤ القيس على الخبر، أغار على بني كنانة، غير أنه وصلهم بعد هروب بني أسد. فخرجت إليه عجوز من كنانة تقول له:
أبيت اللعن! لسنا لك بثأر، نحن من كنانة فدونك ثأرهم، فاطلبهم. فإن القوم قد ساروا بالأمس، فتبع بني أسد، ففاتوه ليلتهم تلك. وحاولت أسد أن تترضاه فلم يرض، ونهد إليهم فقاتلهم حتى كثرت الجرحى والقتلى فيهم، وحجز الليل بينهم، وهربت بنو أسد.
لم تشفِ هذه المقتلة غلّ امرئ القيس، فاستنفر بكر بن وائل، ثم أزد شنوءة، لكنهم خذلوه. فنزل بقَيْل يُدعى مرثد الخير بن ذي جدن الحميري – وكانت بينهما قرابة – فاستنصره واستمده على بني أسد، فأمَدَّه بخمسمائة رجل من حمير. لكن هذا المدد اليمني لم يحقق النصر لامرئ القيس، إذ ظهر خصمان ذوا سلطان خاصماه، وحميا بني أسد، وهما المنذر بن النعمان ملك الحيرة وكسرى أنوشروان ملك الفرس. فاضطر امرؤ القيس إلى التنقل من أمير إلى أمير، وإلى تجرّع الغصص غصة بعد غصة. فترك ماله وأسلحته ودروعه أمانة لدى السموءل بن عادياء، وتوجه شطر قيصر بمسعى من الحارث ابن أبي شمر الغساني، ومعه صديقاه جابر بن حني، وعمر بن قميئة. فأحسن القيصر وفادته، لكنه لم يعنه على استرداد ملكه. ويقال إنه أصيب في عودته بالجدري فمات، وقيل إنه مات بسم سرى في جسمه من حلّة مسمومة أهداها له عظيم الروم. وإذا كانت الأخبار متناقضة في سبب موته، فإن رحلته إلى بلاد الروم أقرب إلى الرجحان، إذ ورد ذكره في تواريخ الروم مثل (نونوس) و (بروكوبيوس)، وهم يسمونه «قيسًا». وذكر الزركلي أنه مات في أنقرة سنة ٥٤٥ م، بينما حدد أستاذنا الدكتور عمر فروخ وفاته بشتاء سنة ٥٤٠م. تلك هي حياة الملك الضليل امرئ القيس التي كادت أحداثها المثيرة أن تجعلها أسطورة ساحرة.
لقد قسمنا حياة امرىء القيس إلى مرحلتين: مرحلة الشباب العابث، ومرحلة السعي العاثر إلى الملك الضائع، ليس بهدف إخضاع شعره إخضاعًا متعسفًا لأحداث السياسة، بل لأننا وقفنا في أغراضه وعواطفه وأسلوبه على فروق ملحوظة تميز كل مرحلة عن الأخرى. ففي الأغراض، كان شعر امرىء القيس في المرحلة الأولى يتركز على الغزل ووصف مجالس الأنس والخمر والحصان، رفيقه في الصيد ومطيته في ميادين القتال. أما في المرحلة الثانية، فقد غلب على شعره المدح والهجاء والفخر بالملك القديم ووصف الناقة كوسيلته في قطع الصحاري. وفي العواطف، كان شعر امرئ القيس في المرحلة الأولى يتفجر حيوية وتفاؤلًا وزهوًا واعتزازًا، فلما فجعه بنو أسد بمقتل أبيه، غرق في الشكوى والحزن والتذمر من غدر الناس والزمان. وفي الأسلوب، كانت ألفاظ الشاعر في المرحلة الأولى أقرب إلى العذوبة والوضوح والانسياب، ولم يفارق أسلوبه هذه الخصائص في المرحلة الثانية، لكن ألفاظه شابها المقت وخالطتها الكآبة ودخلها الغريب بسبب اضطرار الشاعر إلى الخوض في أغراض ليست من طبعه، كالمدح والهجاء ووصف الناقة.
شعره وأغراضه
حظي شعر امرئ القيس بقدر عظيم من العناية، تجلى في جمعه وتمييز منحوله من صحيحه، وشرحه وتفسير غريبه. فقد أحصى محقق ديوانه، محمد أبو الفضل إبراهيم، ثمانية من الرواة الذين نقلوا شعره، وقال: «ثمّ صنعه أبو سعيد السكري من جميع الروايات». وذكر بعد ذلك تسعة من العلماء الذين تناولوه بالشرح والتفسير والبيان، منهم الأصمعي، بالإضافة إلى أربعة من المستشرقين والباحثين المحدثين. ثم أكمل المحقق أبو الفضل أعمال السابقين واللاحقين، فجمع ديوانه وحققه من ست نسخ قديمة صنعها كبار العلماء كالأعلم الشنتمري وابن النحاس. وعلى هذا الديوان كان جل اعتمادنا في دراسة شعر امرئ القيس. ومن يستعرض هذا الديوان يجد فيه موضوعات كثيرة، أبرزها الغزل، ووصف الطبيعة والظعائن، ثمّ الشكوى والمدح والهجاء والرثاء، إلى جانب الفخر والخمر والطرد.
١ – المرأة والغزل
ألقى الثراء الموروث عن كاهل امرئ القيس تبعات الحياة، ودفعه شبابه الريان إلى إشباع الغريزة، فكان للمرأة مكان الصدارة في حياته وشعره. والنساء اللواتي يتخطرن في ديوانه كثيرات ذوات صفات مختلفة. وقد أحصى بعضهن الأستاذ صالح سمك، فقال: «فاطمة متدللة مغرورة، وليلى ناسية متجاهلة ناكرة، وعنيزة مستجيبة، وأسماء قُلّب، وسلمى غرة نافرة، وماوية خبيثة ماكرة، وهر لعوب راغبة، ورقاش متعرضة باذلة». وفي شعر امرئ القيس أسماء كثيرة لم تُدرج في الإحصاء السابق، مثل هند والرباب وفرتني ولميس، إلى جانب نسوة لم يذكر أسماءهن، فيهن الساخطة المتأبية، والعاقلة المستأنية، والوجلة المتكبرة، والقاصرة حبها على رجل واحد. وفيهن من هي رقيقة الحديث هامسة الحوار. وهناك الحامل والمرضع، والشابة الفتية، والحرة، والجارية، وبائعة الهوى.
وقد تحدث صالح سمك عن الصور المثلى لجمال المرأة عند امرئ القيس، وأعجب بما يتصوره ويصوّره، فقال واصفًا ذوقه: «هو ذوق ترتضيه الفطرة السليمة.. وصواحبه هيفاوات مديدات، فرعاوات رشيقات، أو بدينات ناعمات مترفات. وهن مشرقات الوجوه، حور عين، فواتر الأجفان، ساحرات النظرات، لمياوات الشفاه، فاتنات الثغور، بيضاوات الأسنان، أسيلات الخدود، جيداوات الأعناق، سوداوات الشعر، صقيلات النحور، كاعبات النهود..».
ومن بين الدارسين المحدثين من نظر إلى إفراط امرئ القيس في وصف النساء، وإلى كثرة معشوقاته بعين المحلّل النفسي، فرأى أنّ امرأ القيس لم يكن عاشقًا معشوقًا محببًا إلى النساء، بل كان بغيضًا إليهن لا تكاد امرأة تصبر معه. وعلل شيوع الوصف الجسدي الصريح وكثرة النساء في شعره بأن الشاعر لم يكن قد تعامل مع الحرائر، فلم يعرفهن معرفة أكيدة، لأن تعامله مع المرأة البغي هو التعامل الشائع في شعره بسبب حياته المتنقلة. وذهب إلى أن إسرافه في تصوير شهوات الجسد هو تعبير غير مباشر عن ضعف الرجولة، فقال: «إن المبالغة في مسألة المرأة ما هي إلا تعويض عن هذا النقص الكبير الذي يحس به الشاعر، وهو يكذب ليغطي هذا النقص أمام الآخرين». وسواء أصدق الشاعر أم كذب، فإن هذه الآراء لا تتجاوز أفق التخمين المستند إلى مدرسة التحليل النفسي، وهي مرتبطة بنمط واحد من ثلاثة أنماط يقفنا عليها استعراض غزل امرئ القيس، وهي: الغزل الذي يخالط الوقوف على الأطلال، والغزل الوصفي الفني، والغزل الماجن الصريح.
أما النمط الأول، فإنه يَرِدُ على صورة ذكرى كانت هاجعة في ماضي الشاعر، ثم أيقظها الوقوف على الأطلال، فإذا هي تجوس خلال الرسوم حية متحركة، والشاعر في تصوره وتصويره نقي النفس، عف العبارة. مر امرؤ القيس بجبال وهضاب متجاورة تفضي إلى رسوم دار كانت تسكنها هند وصويحباتها، فإذا القافلة التي رآها قبل سنين تشق سجف الزمان، وإذا هوادج لميس وفرتني والرباب تتخطر أمامه كالنخيل الذي حان قطافه. فأرسل عينيه في وجوههن الزهراء، وبشرتهن المضمخة بالعطر، وأحداقهن السوداء، وقال:
دار لهندٍ والرَّباب وفَرْتَنى *** وَلَيْس قبل حوادثِ الأيامِ
أو ما ترى أظمائهن بواكِراً *** كالنخل من شوكان حين صرام
حور تعلل بالعبير جُلُودُهَا *** بيض الوجوه نواعِمُ الأَجْسَامِ
ورأى الأستاذ صالح سمك أنّ هذا النمط من الغزل هو أرقى ما في شعر امرئ القيس من نسيب وتشبيب، لأنه في مقدماته الطللية لا يلاحق المرأة ككيان مادي يصف دقائقه فحسب، وإنما يعرض لها معنى إنسانيًا لفراقها، ويحزن لرحيلها، فيقول:
فظللتُ في دِمَنِ الديار كأنني *** نشوانُ باكَرَهُ صَبُوحُ مُدَامِ
وأما النمط الثاني من غزله، فهو الغزل الحسي النفسي. وفيه يصوّر امرؤ القيس محبوبته فاطمة شابة خفيفة اللحم، ضامرة البطن، بيضاء البشرة، كأن الله وضع بين نحرها وصدرها مرآة صافية تبهر النظر. فإذا التفتت إليك، سحرك خدها الصقيل الوضيء ومقلتاها الحوراوان الشبيهتان بمقلتي مهاة تراقب صغيرها وتغمره بنظراتها الحانية الرؤوم. ويدهشك عنقها الذي أخذ من الظبي طوله وجماله في غير إسراف، بل زاد عليه باللؤلؤ الذي يزينه. وهي ذات شعر طويل غزير شديد السواد ينساب على ظهرها كله، كأنه قطف نخلة يانعة الثمر:
مُهفهفةُ بيضاءُ غيرُ مفاضةٍ *** ترائبها مَصْقُولَةً كالسِّجنْجلِ
تصدّ وتُبدي عنْ أسيلٍ وتتَّقي *** بناظرة منْ وَحْشِ وجرةَ مُطفِلِ
وجيد كجيد الرّئمِ ليس بفاحشٍ *** إذا هي نصْتُهُ، وَلا بِمُعَطَل
وفرع يغشي المتنَ أسودَ فاحمٍ *** أثيثٍ كقنوِ النَّخلةِ المُتعثْكِلِ
ومعشوقته هذه ذات خصر أهيف لين ينطوي تحت صدرها طيًا، كما يتثنى زمام الفرس في يد الفارس، وذات ساق غضة تسيل نضارة، كأنها قصبة البردي التي رويت بالماء. وهي شديدة البياض، إذا ظهرت في جوف الليل أضاءت ما حولها كما ينشر مصباح الناسك المتعبد حوله هالةً قدسية النور. وهي منعمة مترفة، تنام حتى ترتفع شمس الضحى. وما الذي يدفعها إلى البكور أو إلى شدّ نطاق الخدمة على ثوبها الرقيق إذا كانت وصيفاتها يقمن بخدمتها، وينثرن على سريرها فتات الطيب؟
وكشحٍ لطيفٍ كالجديـل مخصَّر *** وساقٍ كأنبوبِ السَّقي المذلّلِ
تضيء الظلام بالعشاء، كأنها *** منارةُ مُمسى راهب مُتبتِّلِ
وتضحي فتيت المسك فوق فراشها *** نؤومُ الضُّحى لم تَنتَطِقُ عَنْ تَفَضُّل
وثالث أنماط الغزل في شعر امرئ القيس هو تلك المواقف التي يصف فيها الشاعر المعابثة والوصال، والتي كان أكثر الشعراء الجاهليين يتحرجون – على جاهليتهم – من تصويرها، كما نتحرج اليوم من تفسيرها وشرحها لما فيها من إغواء وخروج على عفة العرب. قال أحمد بن فارس اللغوي: «ومما خص الله جل ثناؤه به المألوف من العرب طهارتهم ونزاهتهم عن الأدناس التي استباحها غيرهم». وربما كان استرسال امرئ القيس في تصوير هذه المواقف نابعًا من معاشرة البغايا اللواتي كن يتهافتن عليه طامعات في ماله قبل وصاله، أو من الترف والترف اللذين غمراه حتى أبطراه، فخيل إليه أن له الحق في البوح بما لا يبوح به غيره من العامة، فاشتط واستطال وقال ما لا يقال في فسوق المترفين. وحسبنا من هذا الشعر الأبيات التالية:
ويا رُبَّ يومَ قد لهوتُ وليلةٍ *** بآنسة، كأنها خط تمثال
يضيء الفراش وجهها لضجيعها *** كمصباحِ زيتٍ في قناديلِ ذُبَّالِ
إذا ما الصحيح ابتزها من ثيابها *** تميلُ عليه هَوْنَةً غيرَ مِجْبالِ
سموتُ إليها بعدما نامَ أهلُها *** سُموَّ حَبَاب المَاءِ حَالاً على حالِ
فقالت سباكَ اللّه إنَّك فاضحي *** ألست ترى السُّمَّارَ والناسَ أحوالي
أصبحتُ معشوقاً، وأصبحَ بَعْلُها *** عليهِ القَسَامُ سيء الظَّن والبالِ
٢ – الوصف
للوصف في شعر امرئ القيس مكانة تعدل مكانة الغزل أو تفوقها، لأن الغزل موضوع واحد، بينما الوصف موضوعات كثيرة. وبعبارة أدق، لأن للوصف موضعًا في كل موضوع. ولا نغالي إذا قلنا إن الوصف يشكل شطر ديوانه، حيث نجده في أكثر القصائد، على اختلاف أفكارها، يمازج هذه الأفكار ويوضحها وينقلها من التجريد إلى الحس.
وأول ما يطالعنا من وصفه هو الوقوف على الأطلال وتصويرها. والشاعر في هذا الوصف يجمع الغزل إلى الطلل، ويبعث من الماضي المنصرم ذكريات تبث الحياة في الرسم الدارس. وهو – في أغلب القصائد – يبدأ بالتسليم على الطلل والدعاء له بالسلامة، ثم يسخر من هذا الدعاء لديار تداعت ودرست منذ سنين، وهطلت عليها أمطار غزيرة غيرت ملامحها. وبينما هو غارق في وقفة صوفية تصطرع فيها عوامل الحياة والفناء، وتختلط فيها عواطف الحزن على الراحل الدارس بعواطف الارتياح للقاء بعد الفراق، ينبثق الماضي حيًّا، وتجري صوره فوق الطلل، فإذا سلمى أمام الشاعر، تجري خلف أولاد الظباء، وإذا الطلل الصامت يحيا كما تحيا المسارح القديمة المهجورة حينما تعمرها الفرق المسرحية بعد آلاف السنين من بنائها:
الا عم صباحاً أيها الطلل البالي *** وهل يَعِمَنْ مِنْ كانَ في العُصر الخالي
ديار لِسَلْمَى عافياتُ بذي خال *** ألح عليها كل أسحمَ هَطَّال
وتحسب سلمى لاتزال ترى طلّا *** من الوحش أو بَيْضاً بميناء خلال
وباختصار، يمكن القول إن الأطلال في شعر امرئ القيس هي باب يغلق فيه الحاضر على الماضي. فمتى وقف عنده الشاعر لحظات يتعرف الرسوم ويتحسّس رهبة الخلاء، انشق مصراعا الحاضر عن ماضٍ حيّ، كما ينشق ستر المسرح الحديث عن مسرحية تاريخية أكثر شخوصها من النساء. ولك أن تعد تصوير الأطلال نوعًا من الوصف، ولك أن تجعله تمهيدًا للغزل، لأن امرأ القيس لا صبر له على إيفاء الطلل حقه من التصوير، وربما اكتفى ببيت واحد كقوله:
لمن طلل أبصرتُهُ فَشَجَانِي *** کخطِّ زبور في عسيب يمان
فرسم الدار كالكتابة المرقومة على سعف النخيل، ورؤيتها أثارت حب الشاعر القديم، وحينها عرف أن هذا الطلل هو ديار لهند والرباب وفرتني. فأعرض الشاعر عن تصوير الأثافي والأوتاد والجذم والحوض، ومضى ينسب بالنساء لأنهن أحب إليه من الحجارة وبقايا الخيام.
وإذا جاوزنا الأطلال إلى الموصوفات الأخرى، وجدنا أن امرأ القيس من أبرع المصورين في العصر الجاهلي، ومن أدقهم رسمًا. فحيثما أرسلت طرفك في ديوانه، أبصرت صورة من صور الطبيعة، صامتها وحيها، جامدها ومتحركها. ومهما يكن الغرض الذي ينظم فيه الشاعر، فإنه كان يعلق على ترائب معانيه تمائم وقلائد تزين المعاني وتوضحها، فكأن ديوانه مجلة من المجلات الحديثة المصورة بأدق العدسات وأصفاها.
وصف الطبيعة الصامتة فكاد ينطقها بألوانه المنسقة، ويحييها بحركاته المتفجرة. فقد شبه الحصى المتطاير من خف الناقة بجمار يرميها رامٍ أعسر يقذف الحجارة بيسراه فلا تقع في مراميها. وأصغى إلى وقع الحصى على الصخر فرأى أنه يُشبه رنين النقود الزائفة التي يقلبها الصيرفي، والزائفة، لكثرة نحاسها، أقوى رنينًا وطنينًا:
كأن الحصى من خلفها وأمــامـهـا *** إذا نجَلته رجلُها خَذفُ أعسرا
كأن صليل المرو حين تُطيره *** صليل زُيوفٍ يُنْتَقَدْنَ بَعبْقَرَا
ووصف الشاعر من الطبيعة الصامتة النبات والصحراء، والجداول، والنجوم والليل، والريح، والسراب، والسحاب والمطر والبرق. ففي وصف البرق، لاحقت عين امرئ القيس خيوطًا من البرق المنشعبة بين السحب، ورصد إضاءتها لقمم الجبال البيضاء، ولاحظ أن البرق يهدأ أحيانًا فيصبح خفي الضياء، وتثقل حركته أحيانًا فتضارع حركة من كُسرت ساقه بعد جبر، ويشتد ثالثة فتنطلق منه أشعة سريعة نافذة كأيدي المقامرين وهم يتلقون قداح الميسر:
أعنّي على برقٍ أراهُ وميضٍ *** يُضيءُ حَبِياً في شماريخ بيضِ
ويهدأ تاراتٍ سَناهُ، وتارةً *** يَنُوهُ كَتَعَتَابِ الكسير المهيضِ
وتخرجُ منه لامعاتٌ كأنّها *** أكُفٌ تَلَقَّى الفَوزَ عِنْدَ المُفِيضِ
ويُعد وصفه للمطر – كما يروي أبو عمرو بن العلاء عن ذي الرمة – أجمل ما قيل في بابه. فقد أبصر الشاعر سحابة كثيرة الهطل، ثقلت حتى دانت من الأرض، واتسعت حتى غطت أقطار السماء، وثبتت فيها لا تتحرك، ومضت تغدق وترسل، فيكون مطرها قطرًا مرة، وكأفواه القرب أخرى. فإذا ضعف، ظهرت أوتاد الخيام، وإذا عنف، غمرها السيل. أما الضب فقد أخرجه الماء من جحره فسبح وأخفى أظافره، لأنه لم يبقَ حوله تراب يحفره، فما حاجته إلى المخالب؟ وأمّا الأشجار فقد غاصت في السيل، فجذوعها غرقى وأعاليها طافية كأنها رؤوس بلا أجساد:
ديمةٌ مطلاءُ فِيهَا وَطَفٌ *** طبقُ الأرضِ تحرِّى وتَدُرْ
تُخرجُ الودَّ إِذا ما أَشْجَذَتْ *** وتُواريهِ إذا مَا تَشْتِكرْ
وَتَرَى الضّب خفيفاً ماهراً *** ثانياً بُرثُنَهُ ما يَنْعَفِرْ
وترى الشّجراء في ريِّقه *** كرؤوس قُطَعَتْ فيها الحمر
ومهما بلغ حظ هذا المشهد من الحياة والحركة، فإن وصف الطبيعة الحية يظل أجمل، لأنّ فيها حياتين: حياة أصيلة سبقت الوصف، وحياة دخيلة نفخ الشاعر روحها بفنه. ومن مواصفاته الحية: الحمر والبقر والثيران والظباء والآرام والثعالب والأرانب، والأسود والضباب والذئاب، والناقة والفرس.
وربّما كان وصف الصيد جماع فنّ الشاعر، لأنه ينطوي على وصف الإنسان والحيوان الوحشي والحيوان الأليف، وأدوات الصيد. وحسبنا منه مشهد سريع العرض، يظهر فيه امرؤ القيس قبل أن ينهض الناس من نومهم على حصان ضخم مثل هيكل النصارى، قوي المتن، واسع الصدر. ومعه غلامه النحيل الخفيف يتضاءل في مشيته، ويتقاصر كأنه ذئب مخادع، يحاذر الظهور. لكنه، وهو يزحف، كان يرفع رأسه كالظبي الصغير ليرصد حركات الطرائد، ويترك بقية جسده لصيق التراب، حتى كأنه منه أو فيه. وبعد فترة قصيرة، رجع هذا الغلام زاحفًا ملتصقًا بأديم الأرض، وهمس في أذن الشاعر: «أبشر يا سيدي. لقد أبصرت قطيعًا من بقر الوحش، وسربًا من الحمر، وآخر من النعام متناثرًا شتيت الشمل»:
وقد أغتدي قبل العُطاس بهيكل *** شدیدِ مشكٍّ الجنبِ، فَعْم المُنَطّقِ
بعثنا ربيئاً قبل ذلك مُخملاً *** كذئب الغضا يمشي الضراء ويتقي
فظلّ كمثل الخشف يرفع رأسَهُ *** وسائِرُهُ مثل التّراب المدقَّق
وجاء خفياً يسفنُ الأرضَ بطنُه *** ترى التّربَ مِنْهُ لاصقاً كلّ ملصق
فقال: ألا هذا صوارٌ وعانة *** وخيطُ نَعام يَرْتَعِي متفِّرقِ
٣ – الفخر
من طباع الجاهلية الحمية والمفاخرة بالمآثر القبلية والخاصة. وهذه الطباع كانت تشتد عند بعض الشعراء كعمرو بن كلثوم، وتعتدل عند بعضهم الآخر مثل امرئ القيس. ولو أراد امرؤ القيس الإدلال والإفراط في التعالي على الناس لكان له من مجده الموروث ما يسوغ مسلكه، فأمثاله من الأمراء وأبناء الملوك لا يعرفون الزهادة والتواضع، بل يطمحون إلى الثراء والمجد العريض:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة *** كفاني – ولم أطلب – قليل من المال
ولكنّما أسعى لمجدٍ مُؤَثَل *** وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وحينما صرع بنو أسد أباه، حمله مصرعه تبعتين لا ينهض بهما إلا ذو مقدرة ومفاخرة: تبعة الثأر لقومه وأبيه، وتبعة استرداد الملك الذي آل إليه.
أما الأولى، فإدراكها يحتاج إلى إحياء الأمجاد الماضية، والاعتزاز بالأصول اليمنية لمملكة كندة، وإلى ذكر مآثر الآباء والأجداد. لكن الشاعر لم يحسن التغني بهذه المآثر، ولعل ذلك يعود إلى انغماسه في اللهو والشراب والغزل، وإلى ضعف ارتباطه بقومه بعد أن طرده أبوه. ولذلك، لا نجد في ديوانه إلا أبياتًا قليلة تفاخر بهذه المآثر، كقوله:
وكُنَّا أُناساً قبل غزوةِ فَرْمَل *** ورثنا الغنى والمجد أكبرَ أكبرا
وربما زعم أنه على قهر بني أسد قادر، فمضى يفاخر بمنبته اليمني، وانتمائه إلى حمير، وادعى أنه قادر على تجهيز جيش من آلاف الفرسان، ليغزو به أعداءه، ويسترد ملكه، ثم ليستر خذلانه ولجوءه إلى الروم:
هو المُنزل الأُلاَّفِ من جوّ ناعطٍ *** بني أسد حَزْناً من الأرض أوعَرا
ولو شاء كان الغزو من أرض خير *** ولكنه عمداً إلى الروم أنفرا
وأما التبعة الثانية، فتحتاج إلى كثير من مقومات الشخصية الطاغية المتميزة بزهوها وعجرفيتها، وإلى اعتزاز بالنفس يبلغ حدّ الغرور، وإلى طموح تهون دونه الصعاب، وإلى ترفع عن التبذل واللذائذ، وإلى فروسية مغروسة في الطباع، وإلى نزعة التحدي التي تدفع إلى الصدام والمقارعة. وامرؤ القيس لم يكن يمتلك إلا يسيرًا من هذا الكثير.
وقد ظهر هذا اليسير في اعتزاز الشاعر بشجاعته، ومجابهته أعداءه وهم أيقاظ، ومجاهرته بالخصومة، وفي دعواه أنه رفع ذكر أبيه، وقهر خصومه، ولم ينهزم في ميدان قط:
وأنا المنبّة بعدما قد نوموا *** وأنا المعالِنُ صفحة النُّوامِ
وأنا الذي عَرَفَتْ مَعَدُّ فَضَلَهُ *** ونَشدَّتُ عن حُجْرِ بْنِ أُمّ قَطام
وأنـازل البطل الكرية نزالُه *** وإذا أناضلُ لا تطيش سهامي
٤ – الهجاء
يُعد الهجاء الوجه الآخر للفخر، فمتى فخر الإنسان بنفسه وبقومه، قاده الفخر إلى هجو خصمه. ومتى أشاد بانتصاره، ذكر المهزوم باندحاره. وحينما افتخر امرؤ القيس بنفسه، ذم بني دودان، وهم فرع من بني أسد، فجعلهم عبيدًا يُقرعون بالعصا:
قولا لِدُودَانَ عَبِيدِ العَصا *** ما غرْكُم بالأَسَدِ البَاسِلِ.
وقلّما كان امرؤ القيس يلجأ إلى الهجاء الساخر أو النيل من هيئة المهجو، كما فعل في هجو خالد بن أصمع النبهاني الذي جاوره امرؤ القيس فعجز عن حمايته، فهجاه هجاءً سخر فيه من قراءته وصوره بصورة حمار يبعده الواردون عن الماء:
واعجبني مشي الحزْقَّةِ خالدٍ *** كمشي أتانٍ حُلْنَتْ بالمناهل
وربما ضمن الشاعر هجاءه الدعاء على خصومه بالذلة وقطع الأنوف، وربما وصفهم بالضعف والجبن، وقرنهم بأحط النساء، ووسمهم بالغدر والعجز عن حماية من يستجير بهم:
ألا قبَّحَ اللّهُ البرَاجِمَ كلّها *** وجدّعَ يربُوعاً، وعفّر دَارِمَا
وآثرَ بالملحاةِ آل مجاشعٍ *** رقابَ إماءِ يَقْتَنِينَ المفارِمَا
فما قاتلوا عن ربّهم وربيبهم *** ولا آذنوا جاراً فيظعن سالما
٥ – المديح
إذا صح أن الشعر – والرأي لبعض النقاد القدماء – يزري بالملوك، فأشده زراية بهم المديح، لأن تصوره في الأذهان مقترن بالتكسب. ولم يكن امرؤ القيس في حاجة إلى التكسب ليمدح، غير أن مصرع أبيه وضعه في موضع المستعين بالأقوياء، بعد أن كان قويًا يعين الضعفاء.
وقد مر بك كيف تنقل بين الأمراء يسألهم العون، ووقفت على تنكر أكثرهم له:
لقد أنكرتني بَعْلَبَكَ وأهلها *** ولا بنُ جُرَيْجٍ فِي قُرَى حِمصَ انْكَرَا
فلما قيض الله له من يعينه، شكر له، فكان شكره نمطًا من المدح. ومن الذين ظفروا بشكره عوير بن شجنة، الذي حمى هند بنت حجر، أخت امرئ القيس، في محنة أبيها، فوصفه الشاعر بالعفة وطهارة العرض، وإشراق الوجه، وشهد له بالنخوة وحماية الجار، والوفاء بالعهد:
ثياب بني عوف طهارى نقية *** وأوجههم عند المشاهد غُرَّانِ
هم أبلغُوا حي المضلَّل أهلَهُم *** وساروا بهم بين العراق ونجران
فقد أصبحوا والله أصفاهُمُ به *** أبرَّ بميثاقٍ وأوفى بجيرانِ
وقد وردت هذه المعاني في مدح سعد بن الضباب، لأنه حمى امرأ القيس، وأنقذه من خطر مخوف، فنوه الشاعر بفضائله، كالوفاء بالعهد، وحماية الجار، ونصرة المظلوم:
منعتُ اللّيثَ من أكلِ ابن حُجْرٍ *** وكادَ اللّيثُ يُودي بابنِ حُجْر
فلا جارٌ بأوثقَ منكَ عهداً *** فنصركَ للطّريد أعزُّ نصرِ
وليس في ديوان امرئ القيس مدائح طويلة من نمط المدائح التي تملأ دواوين الأعشى وزهير والنابغة، وإنما هي مقطعات قصيرة، وهي أقرب إلى الشكر على معروف، أو الإقرار بفضل. والفكرة التي تكاد تنتظم هذه المقطعات هي التنويه بالوفاء وحسن الجوار والكرم، كقوله في مدح رجل من بني ثعل يكنى أبا حنبل:
أحللت رحلي في بني ثُعَلٍ *** إنّ الكرامَ للكريم مَحَلّ
فوجدت خيرَ الناس كلهم *** جاراً وأوفاهمْ أبا حنبلْ
٦ – الرثاء
ربما كان الرثاء في شعر امرئ القيس أقلّ من المديح، لأن المديح إطراء بلا حزن، والرثاء إطراء غارق في الحزن. وحياة امرئ القيس لم تعرف الحزن منذ أن تفتحت شاعريته إلى أن صُرع أبوه، فكيف يجد الحزن طريقه إلى شبابه الريان؟ بل إن مقتل أبيه – على فداحته – لم يثر في نفسه من الحزن مثل الذي أثاره من الغضب. والمقطعات التي قالها في رثائه – على ما فيها من مبالغة تزعزع الجبال وقلق يطرد النوم – فاترة الحزن، كقوله:
أرقْتُ لبرقٍ بليلٍ أهلّْ *** يُضيءُ سَناه بأعْلى الجبلْ
أتاني حديثٌ فكذّبتهُ *** بأمرٍ تزعزعُ منه القُللْ
بقتلِ بني أسدٍ ربَّهُمْ *** ألا كلُّ شيءٍ سواءُ جللْ
ولعل المقطعة الوحيدة التي تنزع إلى الحزن هي تلك الأبيات الخمسة التي رثى بها نفرًا من قومه، قتلهم المنذر بن النعمان. وخبر هذه الأبيات أنه لما قتل المنذر ملوك كندة، كان ينادمهم ويخلطهم بنفسه. فلما رأى هيبتهم وجمالهم وفروسيتهم، حسدهم فقال لهم ذات يوم: «لشدّ ما صبر عنكم أهلكم، فارجعوا فألموا بهم عهدًا، ثم عودوا». وأجاز كل امرئ منهم من جوائز الملوك، وخاف أن يُقدِمَ عليهم في مجلسه فيعجز عنهم فيقتلوه. فلما خرجوا عنه، بعث خلفهم جماعة من أصحابه وأمرهم أن يغاوروهم فيقتلوهم، فلحقوهم بقرية بالحيرة عند قوم من بني عدي بن أوس بن مرينا فقتلوهم.
ويبدو أن المجزرة فعلت فعلها في قلب امرئ القيس، فبكاهم بكاءً صادقًا، لأنهم جميعًا من أمراء أسرته، ولأنهم قتلوا غدرًا ولم يُقتلوا في ملحمة، وتُركت رؤوسهم معفرة بالتراب تنقر عيونهم الجوارح:
الا يا عين بكي لي شنيناً *** وَبَكي لي الملوك الذاهبينا
ملوكاً من بني حجر بن عمرو *** يُساقون العَشِيَّةَ يُقتلونا
فلو في يوم معركة أصيبوا *** ولكن في ديار بني مرينا
فلم تُغسل جماجمهُمْ بِغسل *** ولكن بالدماء مُرمَلينا
تظل الطّيرُ عاكفةً عليهـم *** وتنتزع الحواجب والعُيونا
٧ – الحكمة
عرضنا أبرز الأغراض في شعر امرئ القيس، وأغفلنا عرض الموضوعات الأخرى، إما لأنها تخالط غيرها كالحماسة، وإما لأنها ترد في أبيات متفرقة تتناثر في تضاعيف الديوان، كالحكمة.
والحكمة في ديوان امرئ القيس محدودة القدر والمقدار، فهي لا تعدل حكمة زهير التي أنضجتها التجارب وامتداد العمر، ولا حكمة طرفة التي كادت تصنع مذهبًا في الحياة كمذهب الواقعيين، ولا تقارن بحكمة أمية بن أبي الصلت التي هدى إليها التأمل والتفكير الديني. إن حكمة امرئ القيس هي نظرات ذكية تلخص بعض التجارب، أو تكشف بعض الحقائق بحدس يقع على الفكرة ولا يبرهن عليها، وبفطرة سليمة ينكشف لها السرّ دون أن تتعمد اكتشافه.
وأكثر حكمه نابع من التناقض الحادّ الذي شطر حياته إلى شطرين متضادين يفصل بينهما مصرع أبيه، وما رافق هذا التناقض من فهم لطبيعة الحياة وطباع البشر. ومن أشهر أقواله التي ذهبت مذهب الأمثال قوله بعد مصرع أبيه: «اليوم خمر وغدًا أمر». ومن أبياته التي اتخذت شكل الحكم، وارتبطت بتجربته في طلب الملك، قوله في المرارة التي يحسها الإنسان بعد تعاقب الخيبة والإخفاق، كأنه يموت مرة بعد مرة:
فلو أنها نفس تموتُ جَميعةً *** ولكنها نفْسُ نَسَاقَط أَنْفُسَ
وقوله في قبول الواقع والاستسلام للظروف القاهرة:
وقد طوقتُ في الآفاق حتى *** رضيتُ من الغنيمة بالإياب
ومن حكمه أيضًا إيمانه بتطور الحياة والأحياء، وتعاقب الفقر والغنى، ومرور الإنسان بمراحل مقدرة:
ألَا إِنَّ بَعْدَ العُدّم للمرءِ قِنْوة *** وبعد المشيب طول عُمرٍ ومَلبَسَا
كما أن تنكر الأصدقاء له أوقفه على حقيقة موجعة، وهي أن طبيعة البشر هي التقلب والغدر والميل مع الهوى:
إذا قلت هذا صاحب قد رضِيتُهُ *** وقرّتْ به العَيْنَانِ بُدَلْتُ آخَرا
كذلِك جَدِّي مَا أُصَاحِبُ صَاحِبا *** مِنَ النَّاسِ إلا خانني وتغيرا
والجامع بين هذه الحكم كلّها هو سلك واحد، أوله مصرع أبيه وآخره الإخفاق في طلب الملك الضائع.
٨- معلقة امرىء القيس
إن الحديث عن شعر الملك الضليل امرئ القيس يبقى ناقصًا ما لم يتناول معلقته التي أولاها الأقدمون عناية بالغة، وجعلها رواة المعلقات فاتحة كتبهم، كما جعلها رواة الديوان القصيدة الأولى فيه. وقد عني بها الدارسون المحدثون من عرب ومستشرقين، فترجموها إلى عدة لغات أجنبية.
وذهب بعض الدارسين إلى أن الدافع الذي دفع امرأ القيس إلى نظم المعلقة هو «يوم دارة جلجل»، حيث التقى بعنيزة ابنة عمه شرحبيل – وكان هائمًا بها – تتنزه بسرب من العذارى، فذبح لها ولهن ناقته. وعلى أثر ذلك، نظم مطوّلته مقاطع مقاطع على الأغلب. وقد دفع هذا الرأي الدكتور عمر طالب فقال: «ونحن لا نعتقد ذلك، فلا يعقل أن يقدم امرؤ القيس الأمير وابن الملك على تصوير ابنة عمه كما صوّر عنيزة في معلقته. ولا يُقبل أن تسلك معه ابنة عمه هذا السلوك». ورمى القصة كلها بالوضع والاختلاق، فقال: «والقصة مختلقة أصلاً، وليس فيها أي منزع لواقع مصدق».
وإذا كان الدكتور عمر طالب قد شك في الباعث على نظم المعلقة، فإن طه حسين قد ارتاب في نسبة المعلقة نفسها إلى امرئ القيس، وادعى أن ما فيها من قصص الغرام أقرب إلى شعر عمر بن أبي ربيعة، وأن ما فيها من مجون أشبه بشعر الفرزدق. وتلقى الدارسون هذا الادعاء بالتفنيد والدحض، فأراحونا من مناقشته. لهذا، آثرنا الإعراض عن الدراسات الشاكة والمشككة، والتفرغ للنظر في قصيدة تعدّ درة الشعر الجاهلي عند العرب والمستشرقين. يقول المستشرق نيكلسون: «تسابق النقاد الأوربيون إلى التغني بجمال تعبيرها، والتحدث بفاخر تصويرها، وحلاوة تدفق أبياتها، وسحر تمثيلها المنوع، بل إن شطرًا واحدًا من أشطارها أصبح المثل الأعلى في بلاغة الشعر وجودة الاستهلال، وهو قوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل».
وقال ابن رشيق: «وهو عندهم أفضل ابتداء صنعه شاعر، لأنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحد». فما هذه القصيدة؟ وما الموضوعات التي تناولتها؟ وما أهم خصائصها الفنية؟
معلقة امرئ القيس هي قصيدة لامية على البحر الطويل، يختلف الرواة في عدد أبياتها، فهي في الديوان الذي رواه الأصمعي سبعة وسبعون بيتًا، وفي شرح المعلقات السبع للزوزني واحد وثمانون بيتًا. فالفرق بينهما أربعة أبيات نسبها بعض العلماء إلى تأبط شرًا، لأنها بشعر الصعاليك أشبه.
يمكن تقسيم القصيدة إلى سبعة أقسام متفاوتة الطول، وأطولها الغزل الذي يشغل نصف الأبيات.
أول هذه الأقسام هو وصف الأطلال: ويقع في ستة أبيات (١-٦)، وأولها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *** يسقط اللوى بينَ الدَّخُولِ فَحَوْلِ
وفيها وقوف على الديار، وسرد لمواضع المنازل، ووصف لآثار الديار واختلاف الرياح عليها، وآثار الظباء، وحنين إلى الأحبة الذين شعر الشاعر بالوحشة حين فارقهم وبكى بكاءً يريح العصب ولا يردّ الحبيب.
وفي القسم الثاني – وهو أطول الأقسام – غزل صريح، ووصف لمحاسن المرأة، وفتون ومجون، وعدد أبياته سبعة وثلاثون بيتًا (٧-٤٣)، وأوله:
وَبَيْضَةِ خِدْرٍ لَا يُرَامُ خِبَاؤُهَا *** تمتَعْتُ مِنْ لَهْوِ بِهَا غَيْرَ مُعْجَلٍ
في هذا القسم، يتباهى امرؤ القيس بأسماء محبوباته، فيذكر منهن من داعب ولاعب، ومن عاطينه خمرة الوصال، ومن أعرضن عنه. ويفاخر بأنه كان «يوم دارة جلجل» زير النساء ومهوى قلوبهن. ويعاتب فاطمة المدللة ذات النظرات الساحرة، ويتحدث عن امرأة مخدرة يحيط بخبائها الحراس من كل جانب، غير أن الشاعر استطاع أن يخادع الرقيب، ويغشى صاحبته آخر الليل، وأن يخرجها من مخدعها لتسايره حتى يبرح ساحة الحي، وذيل مرطها مسحوب على الأرض يمحو مواطئ الأقدام ويزيل آثار هذا الوصال المسروق. وفي هذا القسم وصف يكشف عن ذوق الشاعر المرهف، إذ يذكر ضمور الخصر والبطن، وامتلاء الساق، وصفاء البشرة، وبريق الترائب، وأسالة الخد، وسحر المقلة، وجمال العنق، وغزارة الشعر، ولين البنان، والإسراف في الترف، واكتمال الجمال، ووفرة النعم، وكثرة الخدم، حتى لكأن صاحبته أميرة في قصر لا بدوية في خيمة.
وثالث الأقسام يتألف من أربعة أبيات (٤٤-٤٧)، وأولها:
وليل كموج البحر أرخى سُدُوله *** عليَّ بأنواع الهموم لِيَبْتَلي
وفيه يشكو الشاعر همه ويصف ليله الطويل الثقيل ونجومه الثوابت.
ورابع الأقسام يتكون من أربعة أبيات (٤٨-٥١)، وأولها:
وقربةِ أقوام جعلتُ عِصَامَهَا *** عَلى كَاهِلِ مِنِّي ذُلُولٍ مُرَحْلِ
وفي هذه الأبيات، يفخر الشاعر باحتماله هم الصديق، وتجشمه مخاطر الطريق، ومقابلته الذئب، ومقارنته بنفسه في التفرد. وفي هذا القسم صعلكة لا تليق بأمير، ولذلك نسبها قوم إلى تأبط شرًا.
والخامس من أقسام المعلقة يتألف من أحد عشر بيتًا (٥٢-٦٢)، وأولها:
وقد أغتدي والطير في وكناتها *** بمُنْجَرِدِ عَبْدِ الأوابد هَيْكَلِ
وفيها وصف دقيق للفرس، يذكر سرعته، وحمرته، ونشاطه، واكتنازه، وضمور خصره، وطول فخذيه، وعدوه، ونزوه، وغليان جوفه من شدة النشاط، وذكاء قلبه، وقوة صلبه، وعراقته، وكرم أصله، وتجمد دم الصيد فوق نحره، ومنزلته عند الشاعر.
وسادس الأقسام يتكون من سبعة أبيات (٦٣-٦٩)، وأولها:
عذَارَى دَوَارٍ فِي مُلاءِ مُذَيَّلِ *** فَمَنْ لَنَا سِربِّ كَانَ نِعَاجَهُ
وغرض هذا القسم هو الطّرد، إذ يصف الشاعر البقر الوحشي: مشيه، وطول أذنابه، ونصوع بياضه المرقط ببعض السواد، وقدرة فرسه على إدراكه والإحاطة بالسرب من أوّله إلى آخره. ويصف إعداد الطهاة للطعام، والعودة من رحلة الصيد، وتصوره للجواد الكامل.
وآخر الأقسام في المعلقة يتكون من اثني عشر بيتًا (٧٠-٨١)، وأولها:
أصاح نَرَى بَرْقَا أَرِيكَ وَمِيضَهُ *** كَلَمْعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِي مُحلل
وغرض هذا القسم هو وصف الطبيعة، يصف منها البرق: وميضه، وسرعة انتشاره، وتعلق الأبصار به، وتفجيره السحب. ثم يصف انهمار السيول، وجرفها للشجر والحجر، وذعر الحيوان، ويصف الجبل الذي تحيط به مياه السيل، والسباع الغرقى، وازدهار النبت، وفرحة الطير بالخصب.
وقد لاحظ بعض النقاد أن المعلّقة – على طولها – لم تبلغ غاية فكرية تستريح لها النفس، وجعلوا هذه الخاتمة المنقوصة مكرمة لا منقصة. قال صاحب العمدة: «ومن العرب من يختم القصيدة، فيقطعها والنفس بها متعلقة، وفيها راغبة مشتهية. ألا ترى معلقة امرئ القيس كيف ختمها… فلم يجعل لها قاعدة كما فعل غيره من أصحاب المعلقات. وهي أفضلها».
ويحسن بنا أن نشير إلى أنّ النقاد القدامى والدارسين المحدثين قد فُتنوا بهذه القصيدة، ومنهم الدكتور عمر طالب في كتابه (رحلة في معلّقة امرئ القيس). ودرسوا خصائصها الفنية، وخلاصة هذه الخصائص كما يرى الدكتور عمر هي: الواقعية التامة العفوية في تناول الأغراض وعرضها، وعمق التجربة الشعورية التي يصوّرها الشاعر، وصبها – على اختلاف أغراضها – في جو نفسي واحد، ووضوح شخصية امرئ القيس، ونقله لصور من الصحراء حينًا ومن صور الحضارة المترفة حينًا آخر، والسرد القصصي الذي يسحر السامع، وبثّ الحركة والحياة في أوصال النص، وتلوين الوزن العروضي بالموسيقى الداخلية.
منزلته
أجمع الأقدمون على أنّ امرأ القيس هو واحد من شعراء الطبقة الأولى في العصر الجاهلي، وهم زهير والنابغة والأعشى وامرؤ القيس. ثم اختلفوا في تقديم أحدهم على طبقته، غير أن الذين فضلوا شاعرنا أكثر من الذين فضلوا سواه. وبين الذين شهدوا له بالسبق نقاد ورواة وشعراء وبلغاء. ولعل أقوى الأدلة على تقدمه هو الحديث الشريف الوارد في العمدة. قال ابن رشيق في حديثه عن شعراء الجاهلية الكبار: «ولكل واحد منهم طائفة تفضله وتتعصب له، وقلما يُجتمع على واحد إلا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في امرئ القيس: أنه أشعر الشعراء وقائدهم إلى النار».
والدليل الثاني هو أن عليًا كرم الله وجهه فضله على شعراء الجاهلية لأنه أحسنهم نادرة وأسبقهم بادرة، ولأنه لم يقل عن رغبة ولا عن رهبة. والدليل الثالث هو ما روي من كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سئل عن الشعراء، فقال: «امرؤ القيس سابقهم». ومن الشعراء الذين شهدوا بتقدمه لبيد الذي سئل عن أشعر الناس فقال: «الملك الضليل». والفرزدق الذي سئل عن أشعر الناس فقال: «ذو القروح». وجاء في طبقات ابن سلام «أن علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس بن حجر». وبعد أن روى ابن سلام عشرات الأقوال في تفاضل شعراء الطبقة الأولى، قال: «ولا اختلاف في أن هذا مصنوع، تكثر به الأحاديث ويستعان به على السهر عند الملوك، والملوك لا تستقصي».
وإذا أقررنا بأن بعض هذه الأقوال مصنوع، فإن بعضها صحيح، وفي الصحيح المسموع عوض عن الموضوع المصنوع، وحجة تثبت تقدم امرئ القيس. فما هي مصادر ثقافته؟ وما خصائصه الفنية التي جعلته يفوق سواه؟
مصادر ثقافته
أشرنا قبلًا إلى التراث الشعري الذي تحدّر إلى امرئ القيس وصقل موهبته، وثبت لدينا أنه نشأ في بيت موصول النسب بالشعر. ونشير الآن إلى من تذكر كتب النقد تأثر الشاعر بهم، وإلى من لقيهم فكان للقائه بهم تأثير في شعره. ذكر ابن رشيق أن امرأ القيس كان يتكئ على أبي دؤاد الإيادي ويروي شعره. وربما كان هذا الاتكاء قاصرًا على وصف الخيل الذي برع فيه أبو دؤاد وانتقل منه إلى امرئ القيس. وذكر غيره أنه تأثر بعبيد بن الأبرص الذي كان أكبر من شاعرنا سنًا وأقدم زمانًا. وقال بعض الأقدمين: إن خاله المهلهل هو الذي علمه القريض. وروت الأخبار أنه لقي السموءل والتوأم اليشكري، وعلقمة الفحل، وصحب عمرو بن قميئة وجابر بن حني، وهما أكبر منه سنًا وأقدم في الشعر سابقة. ولكل واحد من هؤلاء أثر كبير أو صغير في ثقافة امرئ القيس.
فالمصدر الأول من مصادر ثقافته هو شعر من سبقه، وما تركته في نفسه البيئة البدوية الصافية التي جعلته سليم الفطرة، يرسل الكلام على السجية، ولا يأبه بمنطق يقيد الأفكار ولا بوحدة عقلية تنتظم أجزاء القصيدة وتحكم حركة الموهبة السمحة.
والمصدر الثاني من مصادر ثقافته هو البيئة الحضرية التي وضعت بين يديه ما لم يتهيأ للكثير من الشعراء أن يطلعوا عليه، فضلًا عن أن يمتلكوه ويتمتعوا به، كالإسراف وأدوات الترف من رقيق الثياب وفاخر العطر، والمجلوب من وسائل التطرية والزينة، ونفيس الجوهر، والعيش بين الأمراء، وكل ما يهذب السلوك ويلطف جفوة البداوة وعجرفيتها. فما تأثير ذلك كله في شعره؟ وما الخصائص الفنية التي اتسم بها هذا الشعر؟
خصائصه الفنية
حاول أصحاب امرئ القيس أن يردّوا إعجابهم به إلى موهبته الخاصة وابتداعه أشياء تلقاها الناس بالقبول والشعراء بالمحاكاة. قال ابن سلام: «فأصبح لامرئ القيس من يقدمه، قال: ما قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها، واستحسنتها العرب واتبعته فيها الشعراء: استيقاف صحبه، والتبكاء في الديار، ورقة النسيب، وقرب المأخذ. وشبه النساء بالظباء والبيض، وشبه الخيل بالعقبان والعصي، وقيد الأوابد وأجاد في التشبيه وفصل بين النسيب وبين المعنى».
وفي هذا القول خصائص عامة جديرة بالتقدير، كالوضوح الذي عبر عنه بقرب المأخذ، وجودة التصوير، ورقة الأسلوب في الغزل، وأمور جزئية كالبكاء على الديار وتشبيه النساء بالظباء، مما لا يمكن القطع في أنه من اختراع امرئ القيس. غير أن الخصائص العامة نفسها كوضوح المعاني وجمال التصوير ورقة الأسلوب يمكن ردّها إلى المصدر الثاني من مصادر ثقافته، وهو التأثر بالبيئة الحضرية. ولهذا، فنحن نميل – مع إقرارنا بموهبة الشاعر الفذة – إلى ربط خصائصه الفنية بثقافتيه البدوية والحضرية.
وأبرز هذه الخصائص:
وفرة التشبيه لوفرة المواد الطبيعية والمصنوعة التي كانت تصافح حواسه، وتتيح له أن يرسم منها الصور. فقد ألقت الحياة بين يديه ما لم تلقَ بين أيدي أقرانه وأترابه، من لعب الأطفال إلى عقود الجوهر. فحصانه يدور كخذروف الوليد، وترائب صاحبته مصقولة كالسجنجل، وقمة الجبل الغارق في السيل كفلكة المغزل، ولمعان البرق كمصابيح الرهبان، ونجوم الثريا كجواهر الوشاح المفصل، وشحم الطريدة كهداب الدمقس المفتل.
ويتسم التشبيه عند امرئ القيس بالواقعية في الرسم، وبغلبة الطابع الحسي. ولكنه كان في بعض التشبيهات يعرض للأشياء لمحًا، ويترك في تشبيهه جانبًا خفيًا غامضًا، يزيده جمالًا وأثرًا. وله في ذلك ابتكارات كثيرة ملكت على الأقدمين ألبابهم، فراحوا يتناقلونها معجبين، ويوغلون في التفسير والتعليق عليها. غير أنه كان أحيانًا يخلط الحسّ بالنفس، إذ يبدأ التشبيه حسيًا وينهيه نفسيًا، فيملأ القلب دهشة ورهبة بعد أن يملأ البصر خطوطًا وألوانًا، كتشبيه الأسنة الزرقاء بأنياب الغول، والغول حيوان أسطوري مخيف:
أيَقْتُلُني والمشرفي مَضَاجِعِي *** وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنيابِ أَغْوَالِ
وهذا الطابع الحسي كان يقوده أحيانًا إلى رسم صور مستكرهة، كتشبيه أصابع صاحبته بالدود والمساويك:
وتعطو بِرَحْصٍ غَيْرِ شَنْنٍ كَأَنَّهُ *** أَسَارِيعُ ظبي أَوْ مَسَاوِيكُ إِسْحِلِ
لكن هذه الصور القليلة لم تنل من مكانته عند الأقدمين والمحدثين، وظلّ الملهم الأول لفنّ التشبيه في الشعر العربي، كما يقول الدكتور شوقي ضيف: «إنّ امرأ القيس هو الذي ألهم الشاعر العربي على مرّ العصور فكرة التشبيه». ويبدو أن حرص الشاعر على وضوح الصور وواقعيتها جعله يفضل التشبيه على الاستعارة، فقد قلت الاستعارات في شعره، واصطبغت بالصبغة الحسية مثل «إنّ بني عوف ابتنوا حسبًا»، و«تمطى الليل بصلبه»، و «ليلبسني من دائه ما تلبسا».
والخصيصة الثانية هي العناية بموسيقى الألفاظ. وتتجلى هذه الخصيصة في الإيقاع العذب الذي يتردد في أكثر شعره، فقلما تلقانا فيه لفظة نابية في حروفها كلفظة (مستشزرات). ولعله من أجل ذلك كان يكثر من التصريع، على نحو ما صنع في المعلقة. وتتجلى عناية الشاعر بالموسيقى في إخضاع الصوت للمعنى، أي: في اختيار الأصوات الصاخبة والألفاظ المجلجلة للمعاني البدوية، واختيار الأصوات المهموسة والألفاظ المأنوسة للمعاني الحضرية والمواقف الوجدانية. ثم في تقطيع الصوت إلى قطع إيقاعية توازي تقطع الفكرة، كقوله في وصف الفرس:
مكرٍ، مفر، مُقبل، مدير معاً *** كجُلِّمُودِ صَخْرٍ حَطَهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
فقد جعل لكل وضع من أوضاع الفرس لفظة قائمة برأسها، مفصولة عن جارتها: لفظة لكروره، وأخرى لفراره، وثالثة للإقبال، ورابعة للإدبار. فإذا بلغ الشطر الثاني، حذف الفواصل وأرسل المعنى كله كرّة واحدة، كما تتدحرج الصخرة من أعلى الجبل كرة واحدة. ومع هذا العمل الفني المتميز بحلاوة الجرس، نجد في إيقاعه بعض الخلل سببه كثرة الزحافات والعلل العروضية، كقوله في صفة برق أومض فأضاء السحب وقمم الجبال، وفجر غيثًا سقى أرضًا واسعة كريمة بعد أن انهمر عليها من أفق واسع كريم:
أعنّي على برقٍ آراء وميض *** يضيءُ حبيّاً في شماريخ بيضِ
بلاد عَرِيضَةٌ، وارضٌ أَرِيضَة *** مدَافِعُ عَيْبٍ فِي فَضَاءِ عَرِيض
فقد صرّع ورصّع، ووازن وزاوج، وكرر حرف الضاد الملائم للموضوع، ولون العروض بإيقاع الموسيقى الداخلية كما نقول بمصطلحات النقد الحديث، لكنه أساء إلى الموسيقى الخارجية، أي إلى الوزن، فصدر البيت الأول سائغ وعجزه غير سائغ، والبيت الثاني صدرًا وعجزًا قلق الإيقاع لا يرتاح له السمع.
والخصيصة الثالثة هي سمو الشاعر من أفق العاطفة الذاتية إلى أفق العاطفة الإنسانية. وهو أمر قليل الوقوع من شاب مدلل مترف مثل امرئ القيس. ويظهر هذا السمو بعدة صور، أولاها أن فجيعته بأبيه وملكه أخرجت من قلبه الأثرة المفتونة بالذات، وحملت إليه التبعة التي تدفع إلى التفكر والتدبر. فإذا هو ينسى مصابه ويتأثر بما يصيب غيره، كتأثره بحنين رفيقه في السفر عمرو بن قميئة إلى أمه، وبحنين أم عمرو إلى ولدها المسافر. وأين مصابهما من مصابه؟ فهو قد فُجع بأبيه وخسر ملكه، وهي فارقت ابنها. ومن فارقه امرؤ القيس لن يعود، ومن فارقته أم عمر عائد إليها مهما طال عهد النوى. ومع ذلك، نسي نفسه وذكر أم رفيقه الصبور:
أرَى أمْ عُمْرٍو دَمْعُهَا قَدْ تَخَدَرَا *** بكاء على عَمْرٍو وَمَا كَانَ أَصْبَرًا
والثانية هي أسفه على ما أصاب قومه من فرقة، وما أصابه من غربة، وبكاؤه بدموع غزيرة على قومه الذين تشتت شملهم، كأنّ عينيه قربة ماء يسيل الماء من جوانبها المهترئة:
ذكرت بها الحي الجميعَ فَهَيجَتْ *** عقابيلَ سُقمٍ مِنْ ضَمِيرِ وَأَشجَانِ
فَسَحَتْ دُمُوعِي في الرداء كأنها *** كُلى من شَعِيبٍ ذَاتٍ سَحْ وَتَهْنَان
وتبدو هذه العاطفة الإنسانية في إغاثة الملهوف وإطلاق سراح الأسير:
فيا ربِّ مَكْرُوبِ كَرَرْتُ وَرَاءَهُ *** وعَانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ عَنْهُ فَفَدَانِي
وتبدو أخيرًا في تأثر الشاعر بالطبيعة الصامتة والحية، إذ يخلع عليها من مشاعره الفياضة حسًّا إنسانيًا، فتغدو ذات نفوس تفرح وتحزن، ويخامرها ما يخامر الشاعر من خلجات الألم والسرور والغضب والطرب. حتى الحمار الوحشي أصبح في تصوّر الشاعر إنسانًا يشرب الخمر ويطرب، وتسري في أوصاله نشوتان: نشوة الشراب، ونشوة الغناء، كأنه أحد السكارى يترنح بين الندامى:
يغرد بالأسْحَارِ في كل سدْفةٍ *** تَغرُدَ مباح النَّدَامَى المطرب




