تراجم

زهير بن أبي سلمى: شاعر الحكمة والسلام في العصر الجاهلي

في العصر الجاهلي، وقبل بزوغ فجر الإسلام، كان الشعر هو لسان العرب وسجل تاريخهم وعاداتهم وتقاليدهم. لم يكن الشعر مجرد وسيلة للتعبير الفني، بل كان أداة قوية للتواصل والتأثير في مجتمع يعتمد بشكل كبير على الرواية الشفهية . كان الشعراء يحظون بمكانة رفيعة في المجتمع القبلي، حيث كان لشعرهم القدرة على تحريك المشاعر وتوجيه الرأي العام، بل وحتى التأثير في القرارات القبلية المصيرية . إن هذه المكانة المرموقة التي تبوأها الشعراء في تلك الحقبة الزمنية تشير إلى تقدير عميق للغة وبلاغتها وقدرتها على تجسيد المشاعر والأفكار بشكل فني حتى قبل ظهور الإسلام .  

يبرز من بين هؤلاء الشعراء الأفذاذ زهير بن أبي سلمى، الذي يُعد قامة شامخة في سماء الشعر العربي، وأحد أبرز أصحاب المعلقات، تلك القصائد الطوال التي تعتبر من أروع ما قيل في الشعر العربي على مر العصور . لم تقتصر شهرة زهير على جودة شعره وبلاغته فحسب، بل امتدت لتشمل حكمته العميقة ونظرته الثاقبة للأمور، مما أكسبه لقب “شاعر الحكمة” في العصر الجاهلي . إن تصنيف زهير كشاعر حكمة يدل على الاعتراف بالعمق الفكري والأخلاقي الذي يميز شعره، وهو ما يجعله مختلفًا عن شعراء آخرين ربما ركزوا بشكل أساسي على أغراض شعرية أخرى كالغزل أو الحرب . هذا اللقب يشير إلى أن عمله قدم أكثر من مجرد متعة جمالية، بل احتوى على إرشادات وتأملات في طبيعة الإنسان والوجود .  

لقد استمر شعر زهير عبر العصور، حيث تناقله الرواة ودوّن في الكتب الأدبية، وامتد تأثيره حتى إلى عصر الإسلام . إن دراسة شعره لا تساعدنا فقط على فهم القيم والأخلاق التي كانت سائدة في العصر الجاهلي، بل تكشف لنا أيضًا عن جوانب مهمة من التفكير الإنساني التي تتجاوز حدود الزمان والمكان . إن استمرار أهمية شعر زهير يشير إلى أن الموضوعات والقيم التي تناولها لا تزال ذات صلة حتى يومنا هذا، حيث تقدم رؤى حول التجارب الإنسانية العالمية والمبادئ الأخلاقية الأساسية .  

الحياة والنشأة: رحلة شاعر في بيئة أدبية ثرية

ولد زهير بن أبي سلمى في أواخر القرن السادس الميلادي، تحديدًا حوالي عام 520 ميلاديًا، في قبيلة مزينة التي كانت تقع في منطقة نجد وسط شبه الجزيرة العربية . كان يقيم في منطقة الحاجر التي تقع ضمن ديار نجد . وقد امتد به العمر حتى توفي قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقليل، أي حوالي عام 609 ميلاديًا، عن عمر يناهز التسعين عامًا .  

كان زهير ينتمي إلى قبيلة مزينة، وهي بطن من مضر . ومع ذلك، فقد نشأ وتربى في كنف بني غطفان، حيث كانت منازلهم متجاورة مع منازل قبيلة مزينة . وقد تزوج زهير مرتين من نساء من قبيلة غطفان . إن هذه الازدواجية في الانتماء، حيث كان مزنيًا بالأصل وغطفانيًا بالنشأة والتربية، ربما أتاحت له فرصة للاطلاع على ثقافات أوسع واكتساب وجهات نظر متنوعة، وهو ما يمكن أن يكون له تأثير في تنوع موضوعات شعره وعمقها . كما أن طول عمره قد منحه تجارب حياتية واسعة، وهو ما ساهم بلا شك في الحكمة والنضج اللذين يميزان شعره .  

نشأ زهير في بيئة قبلية تقليدية، ولكنها كانت أيضًا بيئة أدبية ثرية بفضل وجود العديد من الشعراء في أسرته . كان أبوه ربيعة بن رياح المزني شاعرًا، وكذلك كان خاله بشامة بن الغدير الغطفاني شاعرًا وسيدًا شريفًا يتمتع بالحكمة والرأي السديد . وقد تأثر زهير بخاله بشامة كثيرًا، حيث ورث عنه المال والأخلاق الحميدة والشعر . كما كان زوج أمه أوس بن حجر شاعرًا مشهورًا تتلمذ عليه زهير وروى شعره . وكان لزهير أختان شاعرتان هما سلمى والخنساء، وابنان شاعران هما كعب وبجير، اللذان أسلما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم . إن نشأة زهير في كنف أسرة مشبعة بالشعر والأدب قد أوجدت أرضًا خصبة لتطور موهبته الشعرية، حيث تعرض لأساليب وتقاليد شعرية متنوعة منذ صغره . كما أن تأثير خاله بشامة، الشخصية المرموقة المعروفة بحكمتها، يشير إلى أن تركيز زهير على الحكمة في شعره لم يكن نابعًا فقط من تجربته الشخصية، بل أيضًا من تعاليم ومثال قريبه المؤثر .  

شهدت حياة زهير أحداثًا مهمة شكلت شخصيته وشعره، أبرزها حرب داحس والغبراء التي نشبت بين قبيلتي عبس وذبيان . استمرت هذه الحرب الطويلة والمدمرة لفترة طويلة وأثرت في زهير بعمق، حيث دفعته إلى الدعوة إلى السلام والصلح بين القبائل، خاصة بعد أن شهد ويلات هذه الحرب وآثارها المدمرة . وقد امتدح زهير في شعره المصلحين الذين سعوا جاهدين لإنهاء هذه الحرب وإحلال السلام، مثل هرم بن سنان والحارث بن عوف . إن طول أمد حرب داحس والغبراء وما خلفته من دمار ومعاناة كان له أثر عميق في نظرة زهير إلى الحياة، وهو ما يفسر دعوته القوية للسلام والوئام الاجتماعي في شعره . إن دوره كصوت للسلام يشير إلى مستوى عال من المسؤولية الاجتماعية والانخراط في قضايا عصره، وهو ما جعله يتجاوز دور الفنان إلى دور المعلق الأخلاقي على قضايا مجتمعه .  

اقرأ أيضاً:  مصطفى صادق الرافعي: أعجوبة الأدب العربي بين الشعر والنثر

الخصائص الفنية لشعر زهير: بين الجزالة والحكمة

تميز شعر زهير بن أبي سلمى بخصائص فنية فريدة جمعت بين قوة الألفاظ وعمق المعاني. كان أسلوبه اللغوي يتسم بالوضوح والسهولة، حيث كان يستخدم ألفاظًا جزلة ولكنها في الوقت نفسه سهلة الفهم، ويتجنب وحشي الكلام والتركيبات المعقدة التي قد تعيق وصول المعنى إلى المتلقي . كان زهير ينتقي ألفاظه بعناية فائقة ليصل المعنى بأحاسيسه كما شعر به إلى السامع . وقد اتسم أسلوبه بالصدق والموضوعية، حيث كان يتحدث بصدق ويتجنب المبالغة أو الغلو في وصفه للأشياء والأشخاص . إن وضوح لغته وبساطتها، على الرغم من جزالتها، جعلت شعره في متناول شريحة واسعة من الجمهور، وهو ما ساهم في استمرار شعبيته وتأثيره عبر الأجيال . كما أن التزامه بالصدق والموضوعية منح مصداقية لتعليقاته الأخلاقية والاجتماعية، مما جعل حكمته أكثر إقناعًا وتأثيرًا .  

أما بالنسبة للصور الشعرية في شعر زهير، فقد تميز بالصدق العاطفي وبراعة التصوير الحسي . كان يعمد في الكثير من أشعاره إلى استخدام الخيال بهدف إبراز معاني الشعر بصورة شفافة، مع الحرص على عدم الغموض وصعوبة الألفاظ التي تعبر عنه . وقد استخدم التشبيهات والاستعارات المؤثرة لتعزيز المعنى وإضفاء جمالية على شعره . إن الجمع بين الصدق العاطفي والتصوير الحسي الحيوي خلق تجربة شعرية قوية ومؤثرة لدى جمهوره . كما أن استخدامه الدقيق للغة التصويرية يشير إلى خيار فني متعمد لتعزيز المعنى والرنين العاطفي دون حجب الرسالة المركزية .  

التزم زهير في شعره بالأوزان والقوافي التقليدية للشعر العربي. فقد استخدم عدة بحور شعرية في قصائده، منها الطويل والبسيط والكامل والوافر والمتقارب . وكانت معلقته الشهيرة على وزن البحر الطويل، وتميزت قافيتها بالوحدة حيث كانت تنتهي جميع أبياتها بحرف الميم . إن التزامه بالأنماط الوزنية والقافية الثابتة يدل على إتقانه للأشكال التقليدية للشعر العربي . وربما كان اختيار أوزان معينة متعمدًا ليناسب موضوعات ونبرة قصائده المختلفة. فعلى سبيل المثال، سمح البحر الطويل لمعلقته بالتأمل المستفيض والتعبير المفصل عن أفكاره .  

بالإضافة إلى ذلك، تميز شعر زهير بخصائص أخرى مثل الصدق العاطفي والبعد عن التملق . وكان يُعرف عنه التأني الشديد في نظم الشعر، حيث كان لا يستعجل في إخراج قصائده بل يمضي وقتًا طويلًا في تنقيحها وصقلها حتى تصل إلى أعلى درجات الجودة والإتقان، ولهذا السبب لُقب بـ “شاعر الحوليات”، أي الشاعر الذي يستغرق عامًا كاملًا في تهذيب قصيدته قبل أن يلقيها على الناس . إن شهرته كشاعر “الحوليات” تسلط الضوء على منهجه الدقيق في صياغة الشعر، مما يشير إلى التزامه العميق بالجودة والدقة . كما أن التركيز على الصدق العاطفي يشير إلى أن شعره كان ينبع من مشاعر وقناعات حقيقية، مما جعله أكثر أصالة وتأثيرًا .  

موضوعات شعر زهير: رؤى عميقة في الحياة والمجتمع

تناول زهير بن أبي سلمى في شعره مجموعة متنوعة من الموضوعات التي عكست رؤيته العميقة للحياة والمجتمع. كان من أبرز هذه الموضوعات الحكمة والأمثال، حيث جسد تجاربه الحياتية وخلاصة فكره في أبيات حكيمة حملت الكثير من العبر والدروس . وقد تضمنت معلقته الشهيرة طائفة واسعة من الحكم والأمثال العامة التي تعكس فهمه العميق للطبيعة البشرية وتقلبات الزمان . كان شعره في هذا الجانب بمثابة قصائد تعليمية تخاطب العقل وتهدف إلى تقديم النصح والإرشاد . إن انتشار الحكمة والأمثال في شعره يعكس رغبته في مشاركة دروس الحياة ورؤاه مع مجتمعه، بهدف تقديم التوجيه وتعزيز السلوك الأخلاقي . كما أن وصف قصائده بأنها “تعليمية” يشير إلى هدف تربوي وراء عمله، حيث سعى إلى نقل المعرفة والفهم حول الحياة والمجتمع .  

من الموضوعات البارزة في شعر زهير الدعوة إلى السلام والإصلاح الاجتماعي. فقد كان دائمًا يدعو إلى السلم والتفاهم بين الناس، ويحث على الابتعاد عن النزاعات والصراعات القبلية التي كانت شائعة في عصره . وقد امتدح في شعره المصلحين الذين سعوا إلى تحقيق السلام بين القبائل المتناحرة، وعلى رأسهم هرم بن سنان والحارث بن عوف اللذان تحملا أعباء كبيرة من أجل إنهاء حرب داحس والغبراء . كان شعره يعكس نفوره الشديد من الحرب والجدل العقيم . إن دعوته المستمرة للسلام في مجتمع كان يعاني غالبًا من الحروب القبلية تبرز نظرته التقدمية والإنسانية . كما أن مدحه لصناع السلام يسلط الضوء على القيمة الكبيرة التي كان يوليها لأولئك الذين عملوا بجد لحل النزاعات وتعزيز الاستقرار داخل المجتمع .  

لم يغفل زهير في شعره الجانب الأخلاقي والقيمي للمجتمع. فقد دعا إلى التمسك بمكارم الأخلاق مثل الكرم والوفاء والصدق والإحسان . كان شعره بمثابة مرآة تعكس حياته وقيمه، حيث كان يدعو إلى السلم وإلى التحلي بالأخلاق الفاضلة . وقد رسم في شعره صورة مثالية للأشخاص الذين مدحهم، فلم يكن يمدح أحدًا إلا إذا كان يستحق ذلك بالفعل . كما تناول في شعره قيمًا أخلاقية أخرى مثل التقوى والقناعة ورد الظلم وحق ذي القربى والنهي عن الشتم والصبر والأمانة والعفو والرجولة . إن تركيزه على الفضائل الأخلاقية في شعره يشير إلى وجود إطار أخلاقي قوي يوجه نظرته إلى العالم وتعبيره الفني . كما أن توافق بعض موضوعاته الأخلاقية مع التعاليم الإسلامية اللاحقة (مثل التقوى والعدل) يلمح إلى استمرارية القيم الأخلاقية عبر عصور مختلفة في الثقافة العربية .  

اقرأ أيضاً:  الواقعية في الشعر الجاهلي: تجذُّر الصورة وصدى الحياة

إضافة إلى ذلك، تضمن شعر زهير تأملات عميقة في قضايا الوجود الأساسية، مثل الحياة والموت والقدر والحساب . كان شعره يعكس تأملاته في طبيعة الحياة المحدودة وحتمية الموت والزوال . وكان مؤمنًا بيوم الحساب ويخشى عواقب الشر في الآخرة . وقد أشار في شعره إلى أن الله تعالى يعلم ما تخفيه النفوس وسيجازي كل عامل بعمله . كما رأى أن الموت هو قدر محتوم لا يمكن الفرار منه . إن تأمله في هذه القضايا الوجودية يكشف عن بعد فلسفي في شعره يتجاوز الاهتمامات الاجتماعية المباشرة . كما أن إيمانه بالحياة الآخرة والحساب يشير إلى وجود بوصلة أخلاقية متجذرة في الإيمان بالعدالة الإلهية، وهو ما يؤثر في آرائه الأخلاقية ودعوته إلى الخير .  

عند مقارنة موضوعات شعر زهير بشعر شعراء الجاهلية الآخرين، نجد أنه بينما ركز الكثيرون على الفخر القبلي والهجاء والغزل، تميز زهير بتركيزه على الحكمة والدعوة إلى السلام والإصلاح الاجتماعي . وحتى عندما تناول موضوع الغزل في شعره، كان غزله عفيفًا ورفيعًا . كما أن زهير كان يتميز بالصدق والبعد عن المبالغة في المدح، وهو ما يختلف عن بعض شعراء عصره الذين ربما لجأوا إلى المبالغة في مدحهم للحكام والزعماء . إن تركيز زهير على الحكمة والسلام يميزه عن العديد من معاصريه الذين غالبًا ما أكدوا على موضوعات أكثر حربية أو رومانسية . هذا الاختلاف الموضوعي يسلط الضوء على مساهمته الفريدة في الشعر العربي قبل الإسلام، حيث قدم منظورًا أكثر تأملًا ووعيًا اجتماعيًا . كما أن سمعته بالمدح الصادق والمتزن تتناقض مع الأشكال المبالغ فيها من المديح التي كانت شائعة في ذلك العصر .  

أشهر قصائد وأبيات زهير: كنوز من الأدب الخالد

تُعد معلقة زهير بن أبي سلمى “أمن أم أوفى دمنة لم تكلم” من أشهر قصائده وأكثرها خلودًا في الأدب العربي. تبدأ المعلقة بالوقوف على الأطلال وتذكر ديار الحبيبة أم أوفى بعد مرور عشرين عامًا على رحيلها . ثم تنتقل القصيدة لوصف الظعائن (النساء) ورحيلهن في الصباح الباكر، مستعرضًا جمالهن وفخامة موكبهن .  

تضمنت المعلقة مدحًا للسيدين الجليلين هرم بن سنان والحارث بن عوف اللذين سعيا جاهدين في الصلح بين قبيلتي عبس وذبيان بعد حروب طويلة أدت إلى تفاني القبيلتين، وقد تحملا ديات القتلى من أموالهما الخاصة . وقد اشتملت المعلقة أيضًا على موضوعات الحكمة والنصح، حيث قدم زهير رؤيته للحياة والناس، ودعا إلى السلام وتجنب الحروب والفتن لما لها من آثار مدمرة على المجتمع . إن هيكل معلقته، الذي ينتقل من العناصر التقليدية مثل النسيب إلى موضوعات أكثر عمقًا كالسلام والحكمة، يظهر قدرته على مزج التقاليد بالابتكار . كما أن الأهمية التي أولاها لموضوع السلام في معلقته، والتي ربما استلهمها من حرب داحس والغبراء، تسلط الضوء على الدور المركزي لهذا الموضوع في رؤيته الشعرية .  

من أشهر الأبيات التي تجسد حكمة زهير قوله: “سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم” . وفي الدعوة إلى السلام، نجد قوله: “يمينًا لنعم السيدان وجدتما على كل حال من سحيل ومبرم تداركتما عبسًا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم” . ومن الأبيات التي تعكس إيمانه بيوم الحساب قوله: “فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم” . وفي مجال الأخلاق، نجد أبياتًا مثل: “ومن لم يصانع في أمور كثيرة يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله على قومه يستغن عنه ويذمم ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم” . هذه الأبيات المختارة تبرز اتساع نطاق اهتماماته الموضوعية، بدءًا من التأملات الشخصية في الشيخوخة وصولًا إلى الرؤى الأخلاقية والدينية العميقة، وكل ذلك معبر عنه ببلاغته وحكمته المميزة . إن الشهرة الدائمة والاقتباس المتكرر لهذه الأبيات في الأدب والخطاب العربي اللاحق يدل على جودتها الخالدة وجاذبيتها العالمية .  

مكانة زهير في تاريخ الشعر العربي: إجماع النقاد والباحثين

حظي زهير بن أبي سلمى بمكانة رفيعة في تاريخ الشعر العربي، وقد أجمع النقاد والباحثون على تقدير قيمته وأهمية شعره. فقد اعتبره ابن الأعرابي من أفضل شعراء العرب، مشيرًا إلى أن موهبة الشعر اجتمعت له في أسرته بشكل لم يجتمع لغيره من الشعراء . بل إن بعض أئمة الأدب قد فضلوه على جميع شعراء العرب . وقد وصفه الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه “شاعر الشعراء” لأنه كان يتميز بوضوح لغته وسلامة منطقه وصدق مدحه . كما اتفق النقاد على أنه صاحب “أمدح بيت، وأصدق بيت، وأبين بيت” في الشعر العربي . إن هذا الثناء الرفيع من نقاد مبكرين مثل ابن الأعرابي والخليفة عمر بن الخطاب يؤكد مكانة زهير المرموقة في المدونة الكلاسيكية للشعر العربي . كما أن الأسباب المحددة التي ذُكرت لتفضيله (وضوح اللغة، الصدق، الحكمة الثاقبة) تسلط الضوء على الصفات التي كانت الأكثر تقديرًا في الشعر العربي في ذلك الوقت .  

يؤكد الباحثون المعاصرون أيضًا على مكانة زهير وأهمية شعره. فهو يُعد من الشعراء المتقدمين على سائر شعراء العصر الجاهلي . ويُعتبر من أكثر الشعراء تقديرًا في التراث الأدبي العربي لما يتميز به شعره من جودة وعمق . وقد وصفه بعضهم بأنه أشعر الناس . إن هذا الاعتراف المستمر والتقدير العالي لزهير من قبل العلماء المعاصرين يؤكد التأثير الدائم وأهمية عمله في مجال الأدب العربي . كما أن الإجماع عبر عصور مختلفة من النقد الأدبي يسلط الضوء على الجودة الخالدة لإنجازاته الشعرية .  

اقرأ أيضاً:  الحياة العامة في العصر الجاهلي وتأثيرها في الأدب

وقد اعتبر النقاد زهيرًا من “عبيد الشعر”، وهم فئة من الشعراء كانوا ينقحون أشعارهم بعناية فائقة ولا يرتجلون ارتجالًا . كان زهير يستغرق عامًا كاملًا في تنقيح قصيدته قبل أن يلقيها على الناس، ولهذا السبب سُمي شاعر “الحوليات” . إن وصف زهير بأنه من “عبيد الشعر” يؤكد تفانيه في حرفة الشعر ونهجه الدقيق في التأليف والمراجعة . كما أن ممارسته قضاء عام كامل في تهذيب قصائده يعزز صورته كفنان مفكر ومتأني يقدر الجودة على السرعة في عمليته الإبداعية .  

تأثير شعر زهير وإرثه الأدبي: بصمة واضحة على مر العصور

كان لشعر زهير بن أبي سلمى تأثير عميق على الأدب العربي، وامتد إرثه الأدبي عبر العصور. فقد امتد تأثير شعره إلى عصر الإسلام، حيث كان يُعد واحدًا من الشعراء الذين تمثل شعرهم القيم الأخلاقية التي دعت إليها الديانات السماوية . وقد كان ابناه كعب وبجير شاعرين في زمن البعثة النبوية وقد أسلما . وتُعد قصيدة كعب بن زهير “بانت سعاد” من أشهر القصائد في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم . إن كون أبنائه أصبحا شاعرين واعتنقا الإسلام يشير إلى استمرارية الموهبة الشعرية في أسرته، وربما يشير إلى أن قيم زهير قد أثرت في اعتناقهما للدين الجديد . كما أن الإعجاب بشعره حتى في العصر الإسلامي المبكر يشير إلى أن موضوعات الحكمة والأخلاق التي تناولها قد لاقت صدى لدى النظام الديني والاجتماعي الجديد .  

لقد أصبحت حكمة زهير وأمثاله جزءًا لا يتجزأ من التراث الأدبي والثقافي العربي، حيث تم تداولها والاقتباس منها على مر العصور . وقد كانت أشعاره تتضمن الكثير من الحكم التي كان لها تأثير عميق على قرائها . إن دمج أقواله الحكيمة وأمثاله في الثقافة العربية يدل على أهميتها الدائمة وتأثيرها في تشكيل القيم والمعتقدات المجتمعية .  

كما أن شعر زهير يُعد مصدرًا هامًا لفهم قيم وأخلاق العصر الجاهلي. فهو يعكس قيم المجتمع الجاهلي وعاداته وتقاليده ونظرته إلى الحياة . ويُعتبر شعره سجلًا أدبيًا وثقافيًا لتلك الفترة الزمنية، حيث يقدم صورة حية عن حياة العرب قبل الإسلام . إن شعر زهير يقدم وثيقة تاريخية وثقافية قيمة، حيث يوفر رؤى حول المعايير الاجتماعية والمبادئ الأخلاقية ونظرة العالم في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام .  

خاتمة: زهير بن أبي سلمى.. قامة شامخة في سماء الشعر العربي

في الختام، يمكن القول إن زهير بن أبي سلمى كان بحق شاعرًا حكيمًا ومصلحًا اجتماعيًا ترك بصمة واضحة في تاريخ الأدب العربي. فقد كان يسعى دائمًا للصلح بين الناس ويدعو إلى التحلي بمكارم الأخلاق والقيم الإنسانية النبيلة . وقد تميز شعره بالتروي والتفكير العميق في القضايا الحياتية والاجتماعية، مما جعله مرجعًا للحكمة والعقل في عصره . إن دوره المزدوج كشاعر ومعلق اجتماعي يسلط الضوء على قوة الأدب في التأثير على الفكر وتعزيز التغيير الإيجابي داخل المجتمع .  

لقد ظل شعر زهير شاهدًا على عظمة الشعر الجاهلي وقيمه الإنسانية العميقة، وما زالت قصائده تتميز بالوقار والرزانة، وتُعتبر مرآة لتجاربه وتأملاته في الحياة . إن الحضور الدائم لشعره في التراث الأدبي العربي يشهد على جودته الخالدة وقدرته على التواصل مع الجمهور عبر مختلف العصور التاريخية .  

جدول: عائلة زهير من الشعراء

فرد العائلةالعلاقة بزهيرمعلومات جديرة بالذكر
ربيعة بن رياح المزنيالأبشاعر
بشامة بن الغدير الغطفانيالخال (من الأم)شاعر، زعيم حكيم
أوس بن حجرزوج الأمشاعر مشهور
سلمىالأختشاعرة
الخنساءالأختشاعرة
كعب بن زهيرالابنشاعر، صحابي
بجير بن زهيرالابنشاعر، من أوائل المسلمين

جدول: أبيات مختارة من شعر زهير في الحكمة

البيت (بالعربية)الترجمة الإنجليزيةالموضوع
سَئِمْتُ تَكالِيفَ الحَياةِ وَمَنْ يَعِشْ ثَمانِينَ حَولًا لا أَبَا لَكَ يَسْأَمِI am weary of the burdens of life, and whoever lives eighty years, no father be yours, will become weary.Weariness of Old Age
وَأَعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَهُ وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِAnd I know the knowledge of today and yesterday before it, but I am blind to the knowledge of what is in tomorrow.Limits of Human Knowledge
وَمَنْ لَمْ يُصَانِعْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ يُضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ وَيُوطَأْ بِمَنْسِمِAnd whoever does not compromise in many matters will be bitten by teeth and trampled by hooves.Importance of Diplomacy
وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَمِAnd whoever has abundance and withholds his bounty from his people will be dispensed with and blamed.Generosity and Social Standing
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ يَفِرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِAnd whoever places kindness before his honor preserves it, and whoever does not guard against insult will be insulted.Reputation and Integrity
وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ المَنِيَّةِ يَلْقَهَا وَلَوْ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِAnd whoever fears the causes of death will encounter them, even if he seeks the means to the sky with a ladder.Inevitability of Death
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِAnd whatever quality a person possesses, even if he thinks it is hidden from people, it will be known.Inner Nature Will Be Revealed

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى