المدح عند زهير بن أبي سلمى: من إخماد نار الحرب إلى ترسيخ القيم الإنسانية

عندما يتحول الشعر إلى وثيقة تاريخية خالدة تسجل أنبل القيم الإنسانية، يبرز اسم زهير بن أبي سلمى كأحد أبرز من صاغوا ملاحم الأخلاق في العصر الجاهلي. لم يكن المديح في قصائده مجرد أداة لاستدرار العطاء، بل كان مرآة صادقة تعكس فضائل حقيقية وتخلد أفعالاً عظيمة غيّرت مجرى التاريخ. يتناول هذا المقال بالتحليل العميق فن المدح عند زهير بن أبي سلمى، متخذًا من علاقته بهرم بن سنان نموذجًا لدراسة كيف تحول الشعر من غرض شخصي إلى رسالة إنسانية سامية، ترسي دعائم السلم الاجتماعي وتنتصر للحكمة على الحمية الجاهلية.
المدح عند زهير بن أبي سلمى: غرض أخلاقي ورسالة إنسانية
يُعدُّ غرض المدح من أهم الأغراض الشعرية في ديوان زهير بن أبي سلمى، وتكمن الأهمية الكبرى في المدح عند زهير بن أبي سلمى في ارتباطه الوثيق بحرب داحس والغبراء، التي تم تفصيل الحديث عنها سابقًا. ويشكّل هرم بن سنان المري الشخصية المحورية التي يدور حولها هذا المدح.
لقد أدت هذه الحرب إلى تمزيق الروابط بين فرعين أساسيين من قبيلة غطفان، وهما عبس وذبيان، مما تسبب في إراقة دماء غزيرة بين الفريقين المتحاربين. كان زهير يراقب هذا الاقتتال الأخوي بقلب يعتصره الألم والحسرة، ولم يكن يملك سوى سلاح الكلمة الذي يجول به بين السيوف والرماح، مقدمًا النصح لمن لا يستجيبون له. وحينما نهض هرم بن سنان بالدور الذي عجز زهير عن أدائه، وجد الشاعر في هذه الشخصية العظيمة مبتغاه، فقدم له مدحًا يرضي ضميره أولًا، ثم يرضي الممدوح ثانيًا. وهنا تتجلى القيمة الأخلاقية في المدح عند زهير بن أبي سلمى.
أما فيما يتعلق بالغاية من هذا المدح، فإن المنفعة العائدة على زهير، والمتمثلة في المال الزائل، أو تلك العائدة على هرم، والمتمثلة في المجد الخالد، لم تكن هدفًا أساسيًا سعى إليه الشاعر أو طمع فيه الممدوح. بل إن هذا التقدير المتبادل قد انبثق بشكل فطري من اجتماع هاتين الشخصيتين، تمامًا كما تنبثق النبتة من التربة نتيجة للتفاعل الطبيعي بين الأرض والسماء في احتضانها ورعايتها. هذه العفوية والصدق هي من أهم سمات المدح عند زهير بن أبي سلمى.
وقد ورد في كتاب الأغاني ما يوضح هذه العلاقة، حيث بلغ صاحبه أن هرمًا قد أقسم ألا يمدحه زهير إلا منحه عطاءً، وألا يسأله حاجة إلا قضاها له، وألا يلقي عليه التحية إلا وهبه عبدًا أو وليدة أو فرسًا. ونتيجة لهذا الكرم الفائق، شعر زهير بالحياء مما كان يقبله منه، حتى إنه كان إذا رآه في جمع من الناس قال: “عموا صباحًا غير هرم، وخيركم استثنيت”. إن هذا الخبر يدل على أن إعجاب هرم بفن زهير لم يكن يقل شأنًا عن إعجاب زهير بكرم هرم، وأن كليهما كان أكثر حرصًا على العطاء منه على الأخذ، وهو ما يؤكد على النزاهة والرفعة التي يتسم بها المدح عند زهير بن أبي سلمى.
وفي رواية أخرى لصاحب الأغاني، أن الخليفة عمر بن الخطاب قد سأل ابن زهير: “ما فعلت الحلل التي كساها هرم أباك؟”، فأجاب: “أبلاها الدهر”. فرد عمر قائلًا: “لكن الحلل التي كساها أبوك هرمًا لم يبلها الدهر”. تعكس كلمة عمر بن الخطاب هذه رؤية الأقدمين بأن المدح عند زهير بن أبي سلمى كان من طراز شعري رفيع، لا تشوبه شائبة الاستغلال أو الابتزاز، ولا تخالطه الأطماع الشخصية، ولا يهدف إلى تحقيق منفعة مادية مباشرة. إن هذا التقييم يؤصل لمكانة المدح عند زهير بن أبي سلمى في تاريخ الأدب.
وإذا كان لهذا المدح من نفع، فإن حظ الممدوح منه يتجاوز حظ المادح. فالرابح الحقيقي في هذه السوق الأدبية هو الأدب العربي والخلق العربي معًا، إذ تمكن هذا الشعر من ترسيخ القيم والمثل العليا والفضائل، وغذى الشخصية العربية بمعانيه السامية. ومن هنا، فإن المدح عند زهير بن أبي سلمى لم يكن مجرد غرض شعري، بل كان أداة لترسيخ الأخلاق. وتبرز من بين هذه الفضائل فضيلة الكرم، الذي يعتبر أفضل صوره عند زهير ذلك الذي يحيي النفوس وينقذ الجياع في أوقات الشدة، ويصل عطاؤه إلى المحتاجين الذين يفدون إلى قوم هرم بن سنان والحارث بن عوف جياعًا، فيجدون ما يأملون دون الشعور بالمنة. وهذه الفلسفة الاجتماعية تمثل جوهر المدح عند زهير بن أبي سلمى:
إِذَا السَّنَةُ الشَّهْبَاءُ بِالنَّاسِ أَجْحَفَتْ *** وَنَالَ كِرَامَ المَالِ فِي الجَحْرَةِ الأُكْلُ
(حيث السنة الشهباء هي السنة البيضاء لشدة الجدب، و«أجحفت» تعني أضرت بهم، وكرام المال هي الإبل، والجحرة هي السنة شديدة البرد التي تلزم الناس بيوتهم).
رَأَيْتَ ذَوِي الحَاجَاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ *** قَطِينًا بِهَا حَتَّى إِذَا نَبَتَ البَقْلُ
(و«قطينًا» تعني ملازمين، والمقصود بنبات البقل هو قدوم الخصب).
هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْبَلُوا المَالَ يُخْبِلُوا *** وَإِنْ يُسْأَلُوا يُعْطُوا، وَإِنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا
(والاستخبال هو استعارة الإبل للشرب من ألبانها والانتفاع بأوبارها، و«ييسروا يغلوا» إشارة إلى كرمهم في الميسر، حيث يأخذون الإبل السمينة ويقامرون عليها كدليل على الثراء والجود). إن تصوير هذه القيم يعكس عمق المدح عند زهير بن أبي سلمى.
ومن الفضائل التي يبرزها المدح عند زهير بن أبي سلمى أيضًا، الشجاعة وإغاثة الملهوف، والنجدة التي لا تعرف التردد، والقوة التي لا يعتريها وهن، والفروسية المتطلعة إلى تحقيق البطولة، والاستحقاق الكامل للشرف والظفر بالمجد:
إِذَا فَزِعُوا طَارُوا إِلَى مُسْتَغِيثِهِمْ *** طِوَالَ الرِّمَاحِ لَا ضِعَافٌ وَلَا عُزْلُ
(ومعنى «فزعوا» أي أغاثوا من استصرخ بهم، و«طاروا» أي أسرعوا، و«طوال الرماح» كناية عن القوة والبأس، و«عُزْل» هي جمع أعزل، وهو من لا سلاح معه).
يُخَيَّلُ فِيهَا جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ *** جَدِيرُونَ يَوْمًا أَنْ يَنَالُوا فَيَسْتَعْلُوا
(و«عليها جنة» تعني عليها رجال أشداء، وهم جديرون ومستحقون لنيل ما يطلبون، و«يستعلوا» أي يظفروا ويعلوا على أعدائهم). إن هذه الأوصاف الدقيقة للقوة تميز المدح عند زهير بن أبي سلمى عن غيره.
غير أن هذه الشجاعة لا تتسم بالرعونة أو الطيش؛ فكيف يمكن أن يوصف بالرعونة من تمكنوا من إطفاء نيران الفتن، أو بالطيش من قمعوا جنون المتحاربين بعقولهم الراجحة؟ لقد اشترى الممدوحون وقومهم بأموالهم أرواح الناس، وعالجوا بحكمتهم أحقاد النفوس، وأخمدوا بحلمهم وصبرهم حمية الجاهلية. إن هذا السلوك الإنساني الراقي ليس أمرًا عارضًا أو نزوة مؤقتة، بل هو جوهر أصيل متجذر في طباعهم، انتقل إليهم بالوراثة من الآباء إلى الأبناء، مما يجعل المدح عند زهير بن أبي سلمى مدحًا للقيم المتوارثة:
وَإِنْ جَنَحَتْ مِنْهُمُ الغَيْظُ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ *** مَجَالِسُ قَدْ يُشْفَى بِأَحْلَامِهَا الجَهْلُ
وَإِنْ قَامَ فِيهِمْ حَامِلٌ قَالَ قَاعِدٌ *** رَشَدْتَ، فَلَا غُرْمٌ عَلَيْكَ وَلَا خَذْلُ
وَمَا يَكُ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ، فَإِنَّمَا *** تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ
ويكفي زهير رفعة ومكانة أنه تغنى بالحلم وأشاد بالرشد، وكرس نفسه لنصرة العقل على الجهل، ووجّه شعره نحو الإصلاح وفعل الخير. لقد سعى من خلال شعره إلى توطيد الأمن، وهداية الغافلين الذين أعمتهم شهواتهم ونزواتهم عن رؤية الحق. وبفضل نبل مقصده، اكتسب الأدب العربي صفة التربية والتوجيه، وبهذا يخرج المدح عند زهير بن أبي سلمى من دائرة الأثرة والمصلحة الشخصية إلى فضاء الإيثار الرحب، ومن التمركز حول الذات إلى الاهتمام بقضايا الجماعة. كما أنه ينتقل من اختلاق فضائل مصطنعة تُلصق بالممدوح بهدف الحصول على العطاء، إلى تصوير أعمال حقيقية أنجزها الممدوح وشهد عليها الناس. وهذا الصدق هو عماد المدح عند زهير بن أبي سلمى.
بل إن زهيرًا كان يسخر من أولئك الذين يتظاهرون بفضائل ليست فيهم، وينتحلون صفات حميدة لم يشهد لهم الناس بها. فكان المدح عند زهير بن أبي سلمى بمثابة مكافأة على عمل نافع قد تم بالفعل، وليس ادعاءً لما لم يُفعل. إنه إشادة بالخير الذي يصنعه الأخيار ويعود نفعه على البشرية جمعاء، كما يتضح في قوله مادحًا هرم بن سنان:
وَأَرَاكَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ *** ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
بِمَا عَلِمْتُ وَمَا أَنَّنِي أَسْلَفْتَ فِي المَجْدَاتِ مِنْ ذِكْرِ
وَالسِّتْرُ دُونَ الفَاحِشَـاتِ، وَلَا *** يَلْقَاكَ دُونَ الخَيْرِ مِنْ سِتْرِ
ولعل أصدق تقييم قيل في شعره هو كلمة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حينما وصفه بأنه «شاعر الشعراء». وعندما سأله عبد الله بن عباس عن سبب هذا التفضيل، أجاب عمر: “لأنه لا يتبع حوشي الكلام، ولا يعاظل في المنطق، ولا يقول إلا ما يعرف، ولا يمتدح الرجل إلا بما يكون فيه”. هذا التقييم الدقيق يلخص جوهر فلسفة المدح عند زهير بن أبي سلمى، التي تقوم على الصدق والواقعية والابتعاد عن التكلف اللفظي والمعنوي. إن هذه الشهادة التاريخية تضع المدح عند زهير بن أبي سلمى في أعلى مراتب الشعر العربي الأصيل. وهكذا، يظل المدح عند زهير بن أبي سلمى نموذجًا فريدًا في تاريخ الأدب.
خاتمة
وفي ختام هذا التحليل، يتضح أن المدح عند زهير بن أبي سلمى لم يكن مجرد غرض شعري عابر، بل كان مشروعًا أخلاقيًا متكاملًا. لقد نجح زهير في الارتقاء بالمديح من كونه وسيلة للتكسب إلى منصة لتخليد القيم الإنسانية العليا كالسلام، والكرم، والحلم. فبينما كان غيره ينسج قصائد من خيال، كان زهير يصوغ شعره من وقائع ملموسة وأفعال حقيقية، جاعلًا من قصيدته شهادة خالدة لا يبليها الدهر. وبهذا، يبقى المدح عند زهير بن أبي سلمى مدرسة شعرية وأخلاقية فريدة، تبرهن على أن الكلمة الصادقة هي الأبقى أثرًا والأعظم قدرًا في ذاكرة التاريخ والأدب.
الأسئلة الشائعة
١- ما الذي يميز المدح عند زهير بن أبي سلمى عن غيره من شعراء عصره؟
الإجابة:
يتميز المدح عند زهير بن أبي سلمى بمجموعة من الخصائص الفريدة التي تجعله يتبوأ مكانة خاصة في تاريخ الشعر العربي. أول هذه الخصائص هو الصدق والواقعية؛ فزهير لم يكن يختلق الفضائل أو يبالغ في وصفها، بل كان يستمد مادة مدحه من أفعال حقيقية ومواقف مشهودة قام بها الممدوح، مثل جهود هرم بن سنان والحارث بن عوف في إطفاء حرب داحس والغبراء. ثانيًا، يتميز المدح عنده ببعده الأخلاقي والتربوي، حيث لم يكن هدفه مجرد تمجيد الشخص، بل تمجيد القيم التي يمثلها مثل الحلم، والكرم، والسعي للإصلاح. وبهذا، تحول شعره إلى أداة لترسيخ المثل العليا في المجتمع. وأخيرًا، يتسم أسلوبه بالرصانة والجزالة، والابتعاد عن الألفاظ الغريبة (الحوشي) والتراكيب المعقدة، مما جعل مدحه واضحًا ومؤثرًا، وهو ما أشار إليه عمر بن الخطاب في تقييمه له.
٢- كيف أثرت شخصية هرم بن سنان في تشكيل خصائص المدح عند زهير بن أبي سلمى؟
الإجابة:
كانت شخصية هرم بن سنان بمثابة المحفز الأساسي الذي بلور أبرز خصائص المدح عند زهير بن أبي سلمى. لقد وجد زهير في هرم تجسيدًا حيًا للقيم التي يؤمن بها؛ فهو السيد الحليم الذي بذل ماله لإنهاء حرب مدمرة، والجواد الذي لا يرد سائلًا. هذا التطابق بين مُثل الشاعر وأفعال الممدوح جعل المدح عند زهير بن أبي سلمى ينبع من قناعة صادقة وإعجاب حقيقي، وليس من دافع التكسب. كما أن العلاقة بينهما لم تكن علاقة شاعر ببلاط أمير، بل كانت علاقة تقدير متبادل؛ فكرم هرم المادي كان يقابله كرم زهير المعنوي بمنحه الخلود الأدبي. لقد حولت أفعال هرم شعر زهير من مجرد غرض شعري إلى وثيقة تاريخية وأخلاقية خالدة.
٣- ما هو الدور الذي لعبته حرب داحس والغبراء في توجيه المدح عند زهير بن أبي سلمى نحو قيم السلم والإصلاح؟
الإجابة:
لعبت حرب داحس والغبراء دورًا محوريًا في صياغة الرسالة الإنسانية التي حملها المدح عند زهير بن أبي سلمى. لقد عاصر الشاعر ويلات هذه الحرب الطاحنة التي استمرت لعقود وأفنت الرجال ومزقت الأواصر بين أبناء القبيلة الواحدة. هذا الواقع المأساوي جعله يدرك قيمة السلم ويعلي من شأن الحكمة والعقل. وعندما قام هرم بن سنان والحارث بن عوف بدفع ديات القتلى من مالهما الخاص لإيقاف الحرب، لم يرَ زهير في هذا الفعل مجرد كرم، بل رآه عملاً بطوليًا أنقذ المجتمع من الانهيار. لذلك، أصبح المدح عند زهير بن أبي سلمى منصة للاحتفاء بصنّاع السلام، وتخليد جهودهم، وتقديمهم كنموذج يحتذى به، محولًا بذلك غرض المدح من تمجيد القوة الحربية إلى تمجيد قوة الحكمة والسلم.
٤- هل كان المدح عند زهير بن أبي سلمى يهدف إلى الكسب المادي أم كان له أبعاد أخلاقية أعمق؟
الإجابة:
على الرغم من أن زهيرًا كان ينال العطايا من ممدوحيه، وهو أمر شائع في عصره، إلا أن التحليل العميق لشعره يثبت أن المدح عنده كان يتجاوز بكثير هدف الكسب المادي. الدليل الأبرز هو أن شعره لم يكن “مدفوع الأجر مقدمًا”، بل كان مكافأة على فعل عظيم تم بالفعل. كما أن الأخبار التي تروي حياء زهير من كثرة عطايا هرم، وقوله “عموا صباحًا غير هرم”، تظهر أن العلاقة كانت قائمة على الإعجاب المتبادل لا على الابتزاز. الأبعاد الأخلاقية في المدح عند زهير بن أبي سلمى كانت هي المحرك الأساسي؛ فقد كان يرى في مدحه واجبًا أدبيًا وأخلاقيًا تجاه من يقدمون الخير للمجتمع، فالعطاء المادي كان نتيجة طبيعية لهذا التقدير، وليس غاية أساسية له.
٥- ما الأهمية النقدية لشهادة عمر بن الخطاب في تقييم المدح عند زهير بن أبي سلمى؟
الإجابة:
تكتسب شهادة عمر بن الخطاب، حين وصف زهيرًا بأنه “شاعر الشعراء”، أهمية نقدية استثنائية لعدة أسباب. أولاً، هي صادرة عن شخصية ذات مكانة دينية وأدبية رفيعة، ومعروفة بالدقة والعدل في الحكم. ثانيًا، قدم عمر تعليلاً نقديًا دقيقًا لاختياره، حيث ذكر أن زهير “لا يتبع حوشي الكلام، ولا يعاظل في المنطق، ولا يقول إلا ما يعرف، ولا يمتدح الرجل إلا بما يكون فيه”. هذا التعليل يلخص المنهجية الفنية والأخلاقية التي قام عليها المدح عند زهير بن أبي سلمى، وهي: وضوح اللغة، ومنطقية التعبير، وصدق المحتوى، وواقعية الوصف. هذه الشهادة تعد من أقدم وأهم النصوص النقدية التي حددت معايير الجودة في الشعر العربي، ووضعت المدح عند زهير بن أبي سلمى كنموذج معياري للشعر الصادق والرفيع.
٦- ما هي أبرز القيم الأخلاقية التي ركز عليها المدح عند زهير بن أبي سلمى في شخصية ممدوحيه؟
الإجابة:
ركز المدح عند زهير بن أبي سلمى على منظومة قيم أخلاقية متكاملة تعبر عن مثالية السيد العربي. في مقدمة هذه القيم تأتي الحلم والعقل الراجح، وهما القدرة على ضبط النفس واتخاذ القرارات الحكيمة لإخماد الفتن، وهي قيمة أعلى من الشجاعة المتهورة. ثم يأتي الكرم، وخاصة الكرم الذي يهدف إلى حل المشكلات الاجتماعية الكبرى، مثل دفع الديات أو إطعام الجياع في سنوات القحط. كما أشاد بقيمة الوفاء بالعهد وإغاثة الملهوف، وقدم ممدوحيه كحصن أمان يلجأ إليه الضعيف والخائف. هذه القيم مجتمعة تشكل صورة القائد المثالي الذي لا يستمد شرفه من قوته فقط، بل من حكمته ومسؤوليته الاجتماعية، وهو ما خلدته قصائد المدح عند زهير بن أبي سلمى.
٧- إلى أي مدى يعكس المدح عند زهير بن أبي سلمى وقائع حقيقية بدلاً من المبالغات الشعرية الشائعة؟
الإجابة:
يعكس المدح عند زهير بن أبي سلمى درجة عالية من الواقعية والارتباط بالأحداث الحقيقية، وهو ما يميزه عن الكثير من المبالغات الشعرية التي كانت سائدة. فبدلاً من وصف الممدوح بأفعال خارقة أو صفات أسطورية، كان زهير يصف أفعالاً ملموسة شهدها الجميع، مثل جمعه للإبل لدفع الديات، أو كرمه تجاه المحتاجين. حتى في وصفه للشجاعة، كان يربطها بالواقعية، فهم “طوال الرماح لا ضعاف ولا عزل”، وهو وصف للقوة الممكنة لا الخارقة. هذه الواقعية هي التي منحت شعره مصداقية وقوة تأثير، وجعلت المدح عند زهير بن أبي سلمى أشبه بالتوثيق التاريخي منه بالإنشاء الشعري الخيالي، وهذا هو سر خلوده وقبوله عبر العصور.
٨- ما هي السمات الفنية واللغوية التي طبعت أسلوب المدح عند زهير بن أبي سلمى؟
الإجابة:
تميز أسلوب المدح عند زهير بن أبي سلمى بسمات فنية ولغوية واضحة. على المستوى اللغوي، اتسم شعره بالجزالة والرصانة والبعد عن الألفاظ الغريبة والمعقدة، مما أكسبه وضوحًا وسهولة في الفهم. أما على المستوى البنائي، فقد كان يعتمد على بنية منطقية متماسكة، حيث يبدأ بتمهيد ثم ينتقل إلى صلب الموضوع بسلاسة. وفي التصوير الفني، كان زهير ميالاً إلى الصور الحسية المستمدة من البيئة البدوية، والتي تعكس الواقع بدقة، وتجنب التشبيهات المعقدة أو الاستعارات الغامضة. كما اشتهر بقدرته على صياغة أبيات شعرية حكيمة، مما جعل قصائده، بما فيها قصائد المدح، مصدرًا للأمثال والحكم الخالدة التي تعبر عن نضج تجربته ورؤيته للحياة.
٩- كيف ساهم المدح عند زهير بن أبي سلمى في تحقيق وظيفة اجتماعية تتجاوز مجرد التمجيد الشخصي؟
الإجابة:
لقد ارتقى المدح عند زهير بن أبي سلمى ليؤدي وظيفة اجتماعية بالغة الأهمية. فمن خلال تركيزه على قيم السلم والإصلاح والكرم الاجتماعي، لم يكن يمدح شخصًا بعينه بقدر ما كان يروج لنموذج سلوكي إيجابي يحتاجه المجتمع. لقد كان شعره بمثابة أداة إعلامية قوية تشجع على فعل الخير وتنبذ العنف والانقسام. عندما يخلد زهير صانعي السلام، فإنه يحفز الآخرين على الاقتداء بهم، وعندما يصف كرمهم، فإنه يعزز ثقافة التكافل الاجتماعي. بهذا، تحول المدح عند زهير بن أبي سلمى من مجرد تمجيد فردي إلى مشروع إصلاحي يهدف إلى بناء مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا، مما يبرهن على وعي الشاعر العميق بدوره ومسؤوليته الاجتماعية.
١٠- هل هناك علاقة بين الحكمة في شعر زهير وخصائص المدح عنده؟ وكيف يتجلى ذلك؟
الإجابة:
نعم، هناك علاقة وثيقة ومتكاملة بين الحكمة التي اشتهر بها شعر زهير وخصائص المدح عنده. فالحكمة في شعره ليست مجرد أبيات متناثرة، بل هي رؤية فلسفية ناضجة للحياة تقوم على العقل والخبرة والتأمل. هذه الرؤية انعكست بشكل مباشر على منهجه في المدح؛ فهو لم يكن يمدح الشجاعة الطائشة، بل الشجاعة المقرونة بالحلم. ولم يكن يعجب بالكرم المبني على التفاخر، بل الكرم الذي يحل المشكلات. يتجلى ذلك بوضوح عندما يمزج بين وصف أفعال الممدوح وبين استخلاص العبر منها، فتصبح قصيدة المدح درسًا في الأخلاق والسلوك القويم. إن المدح عند زهير بن أبي سلمى هو في جوهره تطبيق عملي لحكمته، حيث يختار نماذج إنسانية تجسد هذه الحكمة ويقدمها للمجتمع كقدوة ومثال.